فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 1116

إن لم يقله محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد قاله رب محمد { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وفهم السلف أن"اسأل الله"تعني عدم سؤال غيره ولهذا لم يثبت بسند صحيح أنهم كانوا يسألون غير الله ، وإنما ثبت العكس بالسند الصحيح ، قال سالم بن عبد الله"لا تسأل أحدًا غير الله" [1] .

بل قاله محمد - صلى الله عليه وسلم -"من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له الجنة" [2] . فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره أن يسأل الحي حيا مثله - وهذا ليس محرمًا - فأين شرع أن يسأل الحي ميتًا ؟!

فأنتم شر ممن يسأل الأحياء يشحذ منهم لأنكم تتسولون من الأموات !

? قال نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما لا تهواه نفسك الأمّارة بالشرك"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" [3] .

? أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف ، ولذلك نص الحافظ ابن رجب على أن قوله - صلى الله عليه وسلم -"إذا سألتَ فاسأل الله"منتزع من قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قال: لأن الدعاء هو العبادة ، وتلا قوله تعالى { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر 60 ] [4] .

وسبق احتجاج السبكي في فتاويه (1/13) بالآية على عدم جواز الاستعانة بغير الله . وإذا كان كذلك فهذه أكبر قرينة على التحريم .

? وما زعمه الحبشي أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"إذا سألت فاسأل الله"ليس معناه: لا تسأل غير الله . وإنما معناه الأفضل أن لا تسأل غير الله . إنما هو تحريف واضح .

فإذا كان الأمر كما يقول: فقد ضاع المراد من الكلام. إذ ما قيمة الكلام إن كان المعنى ( إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره ) فقد كان الأولى بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حينئذ أن يقول: إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره . وإنما يكون للكلام معنى إذا فهم منه تخصيص الله بالسؤال دون غيره .

? أن قوله تعالى { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] يؤكد أن قوله"إذا سألت فاسأل الله"يفيد وجوب سؤال الله وحده فيما لا يقدر عليه غيره ، وليس مجرد الكراهة . لأن الدعاء عند الرسول عبادة ، ولأن سؤال الله وحده حق وسؤال غيره باطل كما قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } [الحج 62] فهذا الباطل محرم وليس مكروهًا فقط . قال تعالى { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } والله أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا } .

وقال { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } لماذا { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فتأمل الآية: كيف نهى الله عن دعاء غيره لأنه لا إله إلا هو. فمن في دعا غيره وخالف أول الآية { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } فقد نقض آخرها { لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } فهل هذا النقض مكروه أم محرم ؟

? ولنضرب لذلك مثالا يوضح مخالفة هؤلاء للشرع والعقل: أنت تعلم أن زيدا غني يملك أموالًا كثيرة وقد عرض عليك إذا احتجت شيئا أن تأتيه ليعطيك ما تريد فقال لك: سلني ما شئت من مال فإني أعطيك. لكنك مع حاجتك للمال وعلمك بأن زيدا يملكه لم تذهب إليه. بل ذهبت إلى عمرو وهو رجل فقير لا يملك مالا، فقلت له أعطني مالا يا عمرو فقال لك: إذا سألت فاسأل زيدا فإني لا أملك لك مما عند زيد شيئا. فامتنعت من الذهاب إلى زيد وأصررت على الأخذ من عمرو ما ليس عنده ، فكم تكون غبيا معاندا إذا أصررت على أن تسأل عمروا

(1) - حلية الأولياء 2 / 194 سير إعلام النبلاء 4 / 463 .

(2) - رواه أحمد 5 / 276 وأبو داود ( 1643 ) وصححه المنذري في الترغيب ( صحيح الترغيب رقم 804 ) .

(3) - رواه البخاري في الجنائز رقم ( 1238 ) .

(4) - جامع العلوم والحكم 281 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت