قصة الصالحين مبتدأ عبادة الأصنام
? قال الحافظ"وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام ، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك".
وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته [1] .
ومن لم يعِ هذه الحقيقة لم يفهم الشرك الذي كان عليه المشركون .
الآية الثانية: قوله تعالى { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } (نوح 23) قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوحٍ عليه السلام فلما ماتوا بنوا لهم الصور والتماثيل [2] .
? روى ابن جرير"حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى بن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قومًا صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم: فلما ماتوا ، وجاء آخرون: دبّ اليهم ابليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم ، وبِهِم يُسقَوْن المطر ، فعبدوهم"وذكر مثله ابن الجوزي [3] .
الآية الثالثة: { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } ( النجم 19) عن مجاهد قال: كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره [4] وأما مناة فكانت أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها . فلما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام .
? فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين: وُدّ وسواع ويغوث فيستسقون بها . ولا يزال كثيرون يجهلون أن أصنام مشركي الأمس ما هي إلا رموز تذكارية للصالحين ، وأنهم ما عبدوا أصنامًا لمجرد حبهم للحجر والحديد وإنما عبدوا الصالحين الذين صورت الأصنام بصورهم .
الآية الرابعة: قوله تعالى { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } ( الأحقاف ه ) فحكم على من دعا غيره بغاية الضلال ، ولم يستثن من الضلالة من يدعون الأنبياء والأولياء ، وأن هذا المدعو لا يستجيب له ، بل هو غافل عن دعائه .
الآية الخامسة: قوله تعالى { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ } فيقف العابدون والمعبودون { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي فرقنا بينهم { وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ما كانت عبادتكم لنا { فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } كنا موتى لا نسمع ولا نعلم بعبادتكم لنا كما قال تعالى { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } وقوله { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا 81 كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } وقوله { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } .
{ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي عاينت وتحققت أن هذا العمل كان في حقيقته شركًا ظنوه استشفاعًا مشروعًا وإذا بهؤلاء المعبودين يتبرأون من عابديهم ويحلفون أنهم كانوا غافلين عما كانوا يشركونهم به مع الله ، فهذا موقف عظيم
(1) فتح الباري 8: 668 - 669
(2) فأصل الفتن فتنة القبور ، يفتن الشيطان بها الناس ويوحي إليهم أن المنكرين عليهم منتقصون لمقامات الصالحين .
(3) تفسير الطبري مجلد 12 ج 29 ص 62 زاد المسير 8/373-374 .
(4) تفسير القرطبي 17/66 تفسير الطبري مجلد 11 ج 27 ص35 وانظر البخاري رقم ( 4859 ) .