ومنذ البداية وعلى مدى ست سنوات أخذ يرسخ دعائم حكمه، فقاوم الإنكليز الذين احتلوا الإسكندرية آزره في ذلك المماليك، وبعد ذلك وما بين عامي 1811-1812 التفت إلى حلفاء الأمس فأباد أمراءهم في مذبحة شهيرة ذكرها المؤرخون كثيرًا ولم يتوان عن مطاردتهم إلى جنوب البلاد وخارجها ثم صادر أراضيهم ووضع يده على ممتلكاتهم.
لم يبق أمام محمد علي إلا الشعب المصري فاندار عليه وقلّص نفوذ زعمائه وعلمائه وأذاب أدوارهم وأغرى من استطاع إغراءه منهم ونفى من استعصى عليه وممن ثبت على موقفه وعلى رأسهم عمر مكرم الذي انتزع محمد علي منه منصب نقيب الأشراف ويسجل التاريخ لهذا الرجل الشعبي موقفه الشريف من المستبد الناشئ فقد آثر مكرم المنفى //دون أن يلين أو يتراجع// (2) وبذلك يكون محمد علي قد ابتعد عن الشعب // مما سهّل على الغرب احتواءه// (3) .
وكي لا يفقد دعائم حكمه حرص على رضى السلطان وشرعيته وأعطى بطانته أرضًا شاسعة معفية من الرسوم وسعى إلى تكوين طبقة موالية له ولأسرته تستمد// مكانتها من ارتباط مصالحها بحكومته لا من جذورها// (4) ومن هذه الحاشية نشأ كبار الملاكين من ذوات مصر ومن بينهم سوف تظهر شخصيّات لعبت أدوارًا كبيرة في حياة البلاد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ومع الزمن أخذت البنية الاجتماعية تتغير وكذلك البنية السياسية وأخذ الأوربيون يزحفون إلى البلاد من كل جنس ولون ومشرب وخاصة من الإنكليز يستثمرون وينهبون ما لا طاقة للفلاح المصري باحتماله ومن هنا فقد أصبح الإنكليز حلفاء لهذه البطانة يحرصون على مصالحها ويدعمون حكمها وبدا ذلك واضحًا في عهد الخديوي توفيق.