وبحق كان محمد علي قد استوعب ذلك وفهمه وبعد أن ثبت لديه أن الأرض خصبة عمل ما في وسعه كي يبقى في مصر ومنذ البدء اعتنق سياسة غفل عنها الكثيرون لا تكترث بالوسائل والأساليب ثم بعد ذلك أخذت الحوادث تتطور دون أن يكون بعيدًا عن كل حدث أو مفصل فيها، ففي عام 1803 ثار الألبان على الوالي العثماني وطردوه وقد آزرهم في ذلك المماليك وأصبح الزعيم الألباني طاهر باشا الرجل القوي، غير أن الأحداث كانت له بالمرصاد وتجري حوله بما لا يتوقع إذ سرعان ما اغتيل ليفسح بموته الطريق أمام محمد علي وزعامته الصاعدة منذ ذلك الحين أخذ نجمه يتألق فشرع في استثمار النتائج واستغلالها وهو أقرب الناس إلى حادث الاغتيال ذاك.
وفي عام 1804 أرسل العثمانيون واليًا اغتاله المماليك ولمّا تطأ قدماه السواحل المصرية وبذلك يصبح الألبان والمماليك فرقتين تنفردان بأرض مصر تتربص كل منهما بالأخرى ولكن الخوف من الدولة العثمانية كان يؤجل الانفجار بينهما ولو إلى حين.
أخذ محمد علي يبحث عن الحلفاء، فإلى جانب الفرقة الألبانية التي كسب ودها اتخذ الدولة العثمانية والتي كان يمثلها الوالي الجديد حليفًا ليضفي على مشروعه تبريرًا شرعيًا وليغطي أهدافه لأن الخليفة ما زال الأب الروحي لعموم طبقات الشعب على الرغم من تمزق هيبة الدولة، ثم اقترب من الشعب وهو يخفي في أعماقه مطامعه المادية في أكبر عملية تضليل عرفها القرن التاسع عشر، هذه المطامع التي لم تعرف الشبع أو الارتواء ولا غرابة في ذلك فقد كان هذا الرجل// عبقرية عثمانية بذاتها في المناورة وأساليب الالتواء والغدر والمكر// (1) وبالفعل استطاع أن يصل إلى السلطة عام 1805 عن طريق الزعامة الشعبية التي كان يمثلها عمر مكرم.