و من هنا ندرك الحكمة من حرص الإسلام علي أن تكون أرزاق الناس بأيدهم قدر الاستطاعة لا بيد الدولة حتى لا يستذل الناس بلقمة الخبز فالعمل حرا ، والاسترزاق الحر يجعل الناس لا تشعر بسطوة الدولة كما تشعر بها لو كانوا كلهم أجراء للدولة كما هو حالهم في الشيوعية ،و العمل الحر و الاسترزاق الحر يحفز على العمل و ينمي مواهب الإنسان و لا يشعره بالحرمان .
ولا ينسى المصريون ما شهدوه في أسوان أيام كان"الخبراء الروس"يعملون في السد العالى ، فقد كانوا يعيشون بطبيعة الحال في جو مختلف عن النظام الذى ألفوه في روسيا . فكان أشد ما عجبت له زوجات أولئك"الخبراء"أن الشراء حر في الأسواق ، وأن الإنسان يستطيع أن يشترى بقدر ما يريد ، أو بقدر ما تتسع نقوده .. فكن يذهبن إلى بائعى الخضر والفواكه فيسألن في عجب: هل نستطيع أن نأخذ بقدر ما نريد ؟! فإذا قيل لهن: نعم ! لم يصدقن ! حتى وجدن بالممارسة الفعلية أن ذلك ممكن بالفعل !
وليست المسألة هى العجب من اختلاف النظام ، فهذا أمر طبيعى وكل إنسان يفاجأ بنظام يختلف عما ألفه وتعود عليه سيعجب في بادئ الأمر حتى يألف . ولكن المسألة هى اللهفة على الشراء ، ودلالته على مدى الإحساس بالحرمان ، و الفرحة الغامرة بالتخلص من هذا الحرمان ولو إلى أمد محدود !
وتكفى هذه التجربة الواقعية للكشف عن حقائق كثيرة في آن واحد ، عن الملكية الفردية والملكية الجماعية .. وعن النظام ! [1]
و إلغاء الملكية الفردية يقوم على أساس أن المجتمع هو الأصل و لا كيان للفرد وحده و هذا من الظلم بمكان أما الإسلام فينظر للإنسان باعتباره فرد مستقل و باعتباره عضو في المجتمع و هذا هو العدل .
بين صدق تنبوءات الإسلام و كذب تنبوءات الشيوعية
(1) - مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب