فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبطُ العبد عن جهادهما، ويُخذله، ويرجفُ به، ولايزال يُخيل له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوتِ اللذاتِ، والمشتهيات، ولا يُمكنه أن يُجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهادهُ هو الأصل لجهادهما، وهوالشيطان، قال الله تعالى: ?إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا? ( ) .والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوُسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتُر، ولا يُقصِّر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداء، أُمِرَ العبدُ بمحاربتها وجهادها.
واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد.
فقال ابن عباس في حق الجهاد هو استفراغ الطاقة فيه 'وألايخاف في الله لومة لائم.
وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته.
وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدةُ النفس والهوى.
قال النبي ?:"بعثت بالحنيفية السمحة" ( ) .
فصل
في مراتب الجهاد
لما كان الجهاد ذروةَ سنام الإسلام وقبته، ومنازلُ أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخِرة.
? ... الفوائد:
إذا عُرِفَ هذا، فالجهاد أربع مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهاد المنافقين، فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضًا:
إحداها: أن يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين.
الثانية: أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعها.
الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان من الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجيه مِن عذاب اللهِ.