الصفحة 35 من 221

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصَّمَّاء، أن النبي ? قال:"لا تَصُومُوا يَوم السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم، فإن لم يجد أحدكُم إلا لحاءَ عنبةٍ أو عودَ شجرةٍ فليمضغه" ( ) .

فاختلف الناس في هذين الحديثين. فقال مالك رحمه الله: هذا كذب، يريد حديث عبد الله بن بسر، ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: هو حديث مضطرب.

وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بينه وبين حديث أمِّ سلمة ، فإن النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهي أن يخص يومَ السبت بالصوم، وحديث صيامه، إنما هو مع يوم الأحد.

قالوا: ونظير هذا أنه نهى عن إفراده يوم الجمعة بالصوم ، إلا أن يصومَ

يومًا قبله أو يومًا بعده ( ) ، وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوعُ تعظيم له، فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في صومه، فإن التعظيم إنما يكون إذا أُفرد بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده، وأما إذا صامه مع غيره، لم يكن فيه تعظيم. والله أعلم.

فصل

في هديه ? في الاعتكاف

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه؛ والخلوة به والأنقطاع عن الأشتغال بالخلق والأشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره

وحبه والإقبالُ عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها؛ ويصير الهم كُلُّه به؛ والخطرات كلها بذكره والتفكير في تحصيل مراضيه وما يقرب منه؛ فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق؛فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنس له؛ ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الأعتكاف الأعظم؛ ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم؛ شرع الأعتكاف في أفضل أيام الصوم؛ وهو العشر الأخير من رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت