الصفحة 36 من 114

ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال عكرمة وغيره هم الزناة ههنا {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} يعني الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب وهو كذب وافتراء لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي لنسلطنك عليهم. وقال قتادة لنحرشنك بهم, وقال السدي لنعلمنك بهم {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا} أي في المدينة {إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ} حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين {أَيْنَمَا ثُقِفُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا *} أي وُجدوا {أُخِذُوا} لذلتهم وقلتهم {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} ثم قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} أي هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عمَّا هم فيه أن أهل الإيمان يسلَّطون عليهم ويقهرونهم {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} أي وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.

وقال السعدي رحمه الله:

هذه الآية، هي التي تسمى آية الحجاب، فأمر اللهُ نبيَّه، أن يأمر النساء عموما، ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر لغيره، ينبغي أن يبدأ بأهله، قبل غيرهم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6) بأن"يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ"وهن اللاتي يكنَّ فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، وجوههن وصدورهن. ثم ذكر حكمة ذلك فقال:"ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ"دل على وجود أذية، إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظُن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن. وربما استُهين بهن، وظُن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد الشر. فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن."وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم، بأن بيَّن لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتين. وأما من جهة أهل الشر فقد توعدهم بقوله:

"لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ"أي: مرض شك أو شهوة .."وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ"أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المتحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين. لم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء."لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ"أي: نأمرك بعقوبتهم وقتالهم، ونسلطك عليهم. ثم إذا فعلنا ذلك، لا طاقة لهم بك، وليس لهم قوة ولا امتناع. ولهذا قال: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا"أي: لا يجاورونك في المدينة إلا قليلا، بأن تقتلهم أو تنفيهم. وهذا فيه دليل، لنفي أهل الشر، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشر، وأبعد منه، ويكونون"مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا"أي: مبعدين، حيث وُجدوا، لا يحصل لهم أمن، ولا يقر لهم قرار، يخشون أن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت