الصفحة 15 من 114

أي: يا أيها الذي مَنَّ اللهُ عليه بالنبوة، واختصَّه بوحْيه وفضَّله على سائر الخلق. اشكر نعمة ربك عليك، باستعمال تقواه التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأدِّ إلى عبادِه وحيَه، وابذُل النصيحةَ للخلق. ولا يصدنَّك عن هذا المقصود صادٌّ، ولا يردك عنه رادٌّ. فلا تطع كل كافر، قد أظهر العداوة لله ولرسوله، ولا منافق، قد أبطَن التكذيب والكفر، وأظهَر ضِدَّه. فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى، وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب. (و) لكن"وَاتّبِعْ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ فإنه هو الهدى والرحمة. وارجُ بذلك ثوابَ ربك."إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم، من الخير والشر. فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك، اعتماد من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين، الذي أمرت به، وثِق بالله في حصول ذلك الأمر على أي حال كان."وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلًا"توكِلُ إليه الأمور، فيقوم بها، وبما هو أصلح للعبد. وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويُدِرُّ عليهم بركاتِه الظاهرةَ والباطنةَ. خصوصا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده أن يقوم بها. فهناك لا تسأل عن كل أمرعسير يتيسَّر، وصعب يتسهَّل، وخطوب تهون وكروب تزول، وأحوال وحوائج تُقضى، وبركات تنزِل، ونِقَم تُدفع، وشرور تُرفع. وهناك ترى العبدَ الضعيف، الذي يُفَوِّضُ أمرضه لسيده، قد قام بأمور، لا تقوم بها أمةٌ من الناس، وقد سهَّل الله عليه، ما كان يصعب على فحول الرجال وبالله المستعان."

6* (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب 28 +29)

قال القرطبي رحمه الله:

قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ"قال علماؤنا: هذه الآية متصلة: بمعنى ما تقدم من المنع من إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألنه شيئا من عرض الدنيا. وقيل: زيادة في النفقة. وقيل: أذينه بغيرة بعضهن على بعض. وقيل: أمر - صلى الله عليه وسلم - بتلاوة هذه الآية عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى،: إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها. أمر - صلى الله عليه وسلم - أن يخير نساءه فاخترنه. وجملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت