بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك. وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم". وجمع خيانة خيائن، وكان يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع خائنة. ويقال: خائن وخوان وخونة وخانة."
وقال البغوي رحمه الله:
قوله عز وجل"وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ"، يعني الأسارى،"فَقَدْ خَانُوا اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ"، ببدر،"وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"... قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر، أي: إن كفروا بك فقد كفروا بالله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم ...
4* (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير) (التوبة: 73)
قال ابن كثير رحمه الله:
أمر تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم, كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين, وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الاَخرة, وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف: سيف للمشركين { (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 5) } وسيف لكفار أهل الكتاب { (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29) } وسيف للمنافقين {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير} وسيف للبغاة {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9) } وهذا يقتضي أنهم يجاهَدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} قال: بيده فإن لم يستطع فَلْيَكْفَهِرَّ في وجهه. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم, وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم, وعن مقاتل والربيع مثله, وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم, وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال, والله أعلم.