فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 424

وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر اللّه في حمى الاندفاع. يدرك ضعفه هذا فلا يقسو عليه، ولا يبادر إلى طرده من رحمة اللّه حين يظلم نفسه. حين يرتكب الفاحشة .. المعصية الكبيرة .. وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفئ، وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف، وأن صلته باللّه ما تزال حية لم تذبل، وأنه يعرف أنه عبد يخطئ وأن له ربا يغفر .. وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطئ المذنب بخير .. إنه سائر في الدرب لم ينقطع به الطريق، ممسك بالعروة لم ينقطع به الحبل، فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر. فهو واصل في النهاية ما دامت الشعلة معه، والحبل في يده. ما دام يذكر اللّه ولا ينساه، ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته.

إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة، ولا يلقيه منبوذا حائرا في التيه! ولا يدعه مطرودا خائفا من المآب .. إنه يطمعه في المغفرة، ويدله على الطريق، ويأخذ بيده المرتعشة، ويسند خطوته المتعثرة، وينير له الطريق، ليفيء إلى الحمى الآمن، ويثوب إلى الكنف الأمين.

شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه، وتظلم روحه، فينسى اللّه .. وما دام يذكر اللّه. ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي. ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي. ما دام في قلبه ذلك الندى البليل .. فسيطلع النور في روحه من جديد، وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، وستنبت البذرة الهامدة من جديد.

إن طفلك الذي يخطىء ويعرف أن السوط - لا سواه - في الدار .. سيروح آبقا شاردا لا يثوب إلى الدار أبدا. فأما إذا كان يعلم أن إلى جانب السوط يدا حانية، تربت على ضعفه حين يعتذر من الذنب، وتقبل عذره حين يستغفر من الخطيئة .. فإنه سيعود! وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه .. فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة، وبجانب الثقلة رفرفة، وبجانب النزوة الحيوانية أشواقا ربانية .. فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود، ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد. ما دام يذكر اللّه ولا ينساه، ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة! عَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِى الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» [1] .

والإسلام لا يدعو - بهذا - إلى الترخص، ولا يمجد العاثر الهابط، ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف «الواقعية» ! إنما هو يقيل عثرة الضعف، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء، كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من اللّه - ومن يغفر الذنوب إلا اللّه؟ - تخجل ولا تطمع، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار.

(1) - سنن أبي داود - المكنز - (1516) والدعاطب (1797) والاتحاف 8/ 605 والفتح 11/ 99 حسن لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت