أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الفخمة على المقاعد المريحة ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية، والمؤلفات العلمية، والأساتذة والمعاهد والجامعات، والتشريعات والقوانين، والشرطة والمحاكم والجيوش .. كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون .. !!
نحن نعرف أن هذه الكلمات لا تصل إلى تلك القلوب .. ولكنا نعرف أنها الحق. ونثق أن سعادة البشرية مرهونة بالاستماع إليها والأخذ بها: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .إن المعسر - في الإسلام - لا يطارد من صاحب الدين، أو من القانون والمحاكم. إنما ينظر حتى يوسر ..
ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين. فاللّه يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه - إن تطوع بهذا الخير. وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين. وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة. لو كان يعلم ما يعلمه اللّه من سريرة هذا الأمر! ذلك أن إبطال الربا يفقد شطرا كبيرا من حكمته إذا كان الدائن سيروح يضايق المدين، ويضيق عليه الخناق. وهو معسر لا يملك السداد. فهنا كان الأمر - في صورة شرط وجواب - بالانتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء. وكان بجانبه التحبيب في التصدق بالدين كله أو بعضه عند الإعسار. على أن النصوص الأخرى تجعل لهذا المدين المعسر حظا من مصارف الزكاة، ليؤدي دينه، وييسر حياته: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... وَالْغارِمِينَ ... » وهم أصحاب الديون. الذين لم ينفقوا ديونهم على شهواتهم وعلى لذائذهم. إنما أنفقوها في الطيب النظيف. ثم قعدت بهم الظروف!
ثم يجيء التعقيب العميق الإيحاء، الذي ترجف منه النفس المؤمنة، وتتمنى لو تنزل عن الدين كله، ثم تمضي ناجية من اللّه يوم الحساب: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» ..
واليوم الذي يرجعون فيه إلى اللّه، ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم عسير، له في القلب المؤمن وقع ومشهده حاضر في ضمير المؤمن، وله في ضمير المؤمن هول. والوقوف بين يدي اللّه في هذا اليوم خاطر يزلزل الكيان! وهو تعقيب يتناسق مع جو المعاملات. جو الأخذ والعطاء. جو الكسب والجزاء .. إنه التصفية الكبرى للماضي جميعه بكل ما فيه. والقضاء الأخير في الماضي بين كل من فيه. فما أجدر القلب المؤمن أن يخشاه وأن يتوقاه.
إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق الضمير يقيمه الإسلام هناك لا يملك القلب فرارا منه لأنه في الأعماق هناك! إنه الإسلام .. النظام القوي .. الحلم الندي الممثل في واقع أرضي .. رحمة اللّه بالبشر. وتكريم اللّه للإنسان.