فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 424

إن النهي ينصب على قتل المحرم للصيد عمدا. فأما إذا قتله خطأ فلا إثم عليه ولا كفارة .. فإذا كان القتل عمدا فكفارته أن يذبح بهيمة من الأنعام من مستوى الصيد الذي قتله. فالغزالة مثلا تجزئ فيها نعجة أو عنزة. والأيّل تجزئ فيه بقرة. والنعامة والزرافة وما إليها تجزئ فيها بدنة .. والأرنب والقط وأمثالهما يجزئ فيه أرنب. وما لا مقابل له من البهيمة يجزئ عنه ما يوازي قيمته ..

ويتولى الحكم في هذه الكفارة اثنان من المسلمين ذوا عدل. فإذا حكما بذبح بهيمة أطلقت هديا حتى تبلغ الكعبة، تذبح هناك وتطعم للمساكين. أما إذا لم توجد بهيمة فللحكمين أن يحكما بكفارة طعام مساكين بما يساوي ثمن البهيمة أو ثمن الصيد (خلاف فقهي) .فإذا لم يجد صاحب الكفارة صام ما يعادل هذه الكفارة. مقدرا ثمن الصيد أو البهيمة، ومجزأ على عدد المساكين الذين يطعمهم هذا الثمن وصيام يوم مقابل إطعام كل مسكين .. أما كم يبلغ ثمن إطعام مسكين فهو موضع خلاف فقهي. ولكنه يتبع الأمكنة والأزمنة والأحوال.

وينص السياق القرآني على حكمة هذه الكفارة: «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ» ..

ففي الكفارة معنى العقوبة، لأن الذنب هنا مخل بحرمة يشدد فيها الإسلام تشديدا كبيرا: لذلك يعقب عليها بالعفو عما سلف والتهديد بانتقام اللّه ممن لا يكف: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» .فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد، الذي أراد اللّه له الأمان في مثابة الأمان، فاللّه هو العزيز القوي القادر على الانتقام! ذلك شأن صيد البر. فأما صيد البحر فهو حلال في الحل والإحرام: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ» ..

فحيوان البحر حلال صيده وحلال أكله للمحرم ولغير المحرم سواء .. ولما ذكر حل صيد البحر وطعامه، عاد فذكر حرمة صيد البر للمحرم: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا» ..

والذي عليه الإجماع هو حرمة صيد البر للمحرم. ولكن هناك خلاف حول تناول المحرم له إذا صاده غير المحرم. كما أن هناك خلافا حول المعنىّ بالصيد. وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة. أم النهي شامل لكل حيوان، ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد.

ويختم هذا التحليل وهذا التحريم باستجاشة مشاعر التقوى في الضمير والتذكير بالحشر إلى اللّه والحساب: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» .. وبعد. ففيم هذه الحرمات؟

إنها منطقة الأمان يقيمها اللّه للبشر في زحمة الصراع .. إنها الكعبة الحرام، والأشهر الحرام، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس .. بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات .. فتحل الطمأنينة محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام. وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي - لا في عالم المثل والنظريات - على هذه المشاعر وهذه المعاني فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على التحقيق في واقع الحياة: «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت