لقد أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآية يَأمُرُ فِيهَا المُؤْمِنِينَ بِألاّ يُحَرِّمُوا الطَّيِّبَاتِ التِي أَحَلَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أنْ يَسْتَعْمِلَ عِبَادُهُ نِعَمَهُ فِيمَا خُلِقَتْ لأجْلِهِ، وَأنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكْرَهُ أنْ يَجْنُوا عَلَى الشَّرِيعَةِ التِي شُرِعَتْ لَهُمْ فَيَغْلُوا فِيهَا بِإبَاحَةِ مَا حَرَّمَ، أَوْ تَرْكِ مَا أحَلَّ وَفَرَضَ.
وَيُبِيحُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالحَلاَلِ الطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ الذِي رَزَقَهُمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ أمُورِهِمْ، وَبِاتِّبَاعِ طَاعَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَتَرْكِ مُخَالَفتِهِ وَعِصْيَانِهِ، بِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ، أَوْ بِتَحْرِيمِ مَا أحَلَّ [1] .
إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية الألوهية. والحق الذي ترتكن إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشر، هو أن اللّه هو خالق هؤلاء البشر ورازقهم. فهو وحده صاحب الحق إذن في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه وأن يحرم عليهم ما يشاء .. وهو منطق يعترف به البشر أنفسهم. فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه. والخارج على هذا المبدأ البديهي معتد لا شك في اعتدائه! والذين آمنوا لا يعتدون بطبيعة الحال على اللّه الذي هم به مؤمنون. ولا يجتمع الاعتداء على اللّه والإيمان به في قلب واحد على الإطلاق! هذه هي القضية التي تعرضها هاتان الآيتان في وضوح منطقي لا يجادل فيه إلا معتد .. واللّه لا يحب المعتدين .. وهي قضية عامة تقرر مبدأ عاما يتعلق بحق الألوهية في رقاب العباد ويتعلق بمقتضى الإيمان باللّه في سلوك المؤمنين في هذه القضية .. وتذكر بعض الروايات أن هاتين الآيتين والآية التي بعدهما - الخاصة بحكم الأيمان - قد نزلت في حادث خاص في حياة المسلمين على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولكن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. وإن كان السبب يزيد المعنى وضوحا ودقة:
روى ابن جرير عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين"،وذلك أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف. فقال أناسٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما خِفْنا إن لم نُحْدِث عملا! فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم، فنحن نحرِّم! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضهم النوم، وحرَّم بعضهم النساء. فكان عثمان بن مظعون ممَّن حرم النساءَ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، وكان يقال لها:"الحولاء"،فقالت لها عائشة ومن عندها من نساءِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم:ما بالُك، يا حولاءُ متغيِّرةَ اللون لا تمتشِطين ولا تطيَّبين؟ فقالت: وكيف أتطيَّب وأمتشط، وما وقع عليّ زوجي، ولا رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا! فجعلن يَضحكن من كلامها. فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنّ يضحكن، فقال: ما يضحككن؟ قالت: يا رسول الله، الحولاءُ، سألتها عن أمرها فقالت:"ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا"! فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟ قال: إني تركته لله لكي أتخلَّى للعبادة! وقَصَّ عليه
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 757،بترقيم الشاملة آليا)