1 ـ الحاجة لهذا التوجه:
يحتاج الوجود الإسلامي في أوروبا إلى رؤية إستراتيجية متعددة الأبعاد والجوانب، فقد أضحى هذا الوجودجزءا لا يتجزأ من الواقع الأوروبي الموحد، وهو يمثل اليوم ثقلًا بشريًا وحضاريًا يستأثر باهتمام المخططين والاستراتيجيين على مستوى العالم الإسلامي، وعلى مستوى قادة الرأي والمسئولين في المجتمعات الأوربية.
ومن أقل الأبعاد والجوانب حضورا واستئثارا بالاهتمام والتوجيه إلى حد الآن هو البعد المالي والاقتصادي حيث يعاني ضعفا واضحا وتقصيرا ملموسا على صعيد الأفراد والمجموعات والمؤسسات نتيجة تراكم العديد من العوائق والصعوبات التي تحول دون النهوض به وإيلائه ما يستحق من التفكير والتخطيط والتوجيه، وقد ترك للجهود والاجتهادات الفردية التي هي عرضة في الغالب للعشوائية والإذعان لضغوطات الواقع والاستسلام لآلياته وقوانينه!
وإذا كانت مرحلة السبعينيات بالنسبة للوجود الإسلامي بأوروبا مرحلة التأسيس أي بناء المؤسسات الأساسية والضرورية، مثل المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية والمنظمات الاجتماعية ثم المدارس الإسلامية؛ و مرحلة الثمانينيات وبداية التسعينيات بداية تقنين الوجود بتأسيس الهيئات التمثيلية والمؤسسات السياسية والإعلامية تعبيرًا عن الحضور المتزايد للمسلمين في المجتمع الأوروبي، سواء على مستوى العدد أو على مستوى إمكاناتهم التعليمية والاقتصادية والعمرية؛ فإنه مع بداية القرن الجديد تطور الوعي الفردي والجماعي إلى ضرورة الانتقال للاهتمام بالجانب الاقتصادي والمالي باعتباره مفتاح كل تلك الإشكالات والقضايا والأبعاد الأخرى.
كما أدرك الجميع أن التخلف في هذا الجانب من شأنه أن يضعف بشكل سريع التطور الحاصل في المجالات الأخرى، وأنه قد آن الأوان لتفادي هذا التأخر وتدارك مخلفاته.
ويعود هذا الإدراك المتأخر إلى جملة من العوامل الذاتية والموضوعية التي كانت عائقا أساسيا أمام الحضور الشامل والفعال طيلة العشريات الماضية والتي تتطلب اليوم مواجهة جماعية من قبل كل المهتمين بمستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا والغرب بشكل عام ولاسيما النخبة الفكرية والهيئات الشرعية التي تواكب نهضة المسلمين في هذه الديار والتطور السريع لوجودهم وتأثيرهم في المجتمعات الأوروبية التي يتواجدون بها.