ولا شك أن الخير هنا متطوع به فهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد: فمن زاد على إطعام مسكيننٍ واحد فهو خير، وهذا قول ابن عباس، أو أن يكون: مَن أراد الإطعام مع الصيام، قاله ابن شهاب، وعن مجاهد: مَن زاد في الإطعام على المُدّ وهو بعيد؛ إذ ليس المُدّ مصرحًا به في الآية، وقد أطعم أنس بن مالك خبزًا ولحمًا عن كل يوم أفطره حين شاخ.
وظاهر هذه الآية العموم في كل تطوع بخير، وإن كانت وردت في أمر الفدية في الصوم، وظاهر التطوع: التخيير في أمر الجواز بين الفعل والترك، وأن الفعل أفضل. ولا خلاف في ذلك.
"وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ"معناه الصوم خير له من الفدية، وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي
فقوله:"وأن تصوموا"ترغيب في الصوم وتأنيس به، وإن كان نازلًا في إباحته لصاحب المشقة كالهَرِم، ويحتمل أن يرجع إلى قوله:"ومن كان مريضًا"وما بعده، فيكون تفضيلًا للصوم على الفطر إلاّ أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة. [راجع تفسير- البغوى - البحر المحيط - التحرير والتنوير] .
{فصل بيان بعض الاحكام المتعلقة بصيام التطوع}
س: ما معنى"لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ"؟
الجواب:
أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". ... [مسلم كتاب الصوم بَاب لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ] "
وفى رواية عند الدارقطنى:"و لا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم"
و في أخري عند البغوي:"و لا تصلوا رمضان بشيء إلا أن يوافق ..."
[أوردهم الألباني في"السلسلة الصحيحة"2/ 103]
قال النووى في شرح مسلم:
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُل كَانَ يَصُوم صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ) , فِيهِ التَّصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ اِسْتِقْبَال رَمَضَان بِصَوْمِ يَوْم وَيَوْمَيْنِ , لِمَنْ لَمْ يُصَادِف عَادَة لَهُ أَوْ يَصِلهُ بِمَا قَبْله , فَإِنْ لَمْ يَصِلهُ وَلَا صَادَفَ عَادَة فَهُوَ حَرَام , هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا ; لِهَذَا الْحَدِيث وَلِلْحَدِيثِ الْآخَر فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره (إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا صِيَام حَتَّى يَكُون رَمَضَان) فَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا قَبْله أَوْ صَادَفَ عَادَة لَهُ ; فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوه , فَصَادَفَهُ فَصَامَهُ تَطَوُّعًا بِنِيَّةِ ذَلِكَ جَازَ , لِهَذَا الْحَدِيث , وَسَوَاء فِي النَّهْي عِنْدنَا لِمَنْ لَمْ يُصَادِف عَادَتَهُ وَلَا وَصَلَهُ يَوْم الشَّكّ وَغَيْره , فَيَوْم الشَّكّ دَاخِلٌ فِي النَّهْي وَاَللَّه أَعْلَم.
س: هل من تطوع بصوم ثم لم يتمه هل يأثم وهل عليه قضاؤه؟
الجواب:
اختلف العلماء في ذلك فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ قضاء نفل الصّوم إذا أفسده واجب، واستدلوا بادلة لايصح منها شيئ الا ما جاء من قولهم أنّ ما أتى به قربةً، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان، وقضاؤه عند الإفساد، لقوله تعالى: «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ» [محمد - 33] ولا يمكن ذلك إلاّ بإتيان الباقي، فيجب إتمامه وقضاؤه عند الإفساد ضرورةً، فصار كالحجّ والعمرة المتطوّعين.
والشّافعيّة والحنابلة، لا يوجبون إتمام نافلة الصّوم، ولا يوجبون قضاءها إن فسدت، وذلك لقول عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال:"هل عندكم شيء فقلت لا قال فإني صائم"ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قالت يا رسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال:"أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم"فأكل منه ثم قال:"إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها". [والحديث اخرجه مسلم والزيادة الاخيرة اخرجها النسائى - تحقيق الألباني: حسن، الإرواء (4/ 135 - 136) ]
قال النووى في شرح مسلم: