وأخرج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ يَا فُلَانُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"... [البخاري - كتاب الصوم] "
وبوب علي الاحاديث - باب متى يحل فطر الصائم؟
قال ابن حجر في الشرح:
قَوْله: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا) أَيْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِقِ كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ , وَالْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ الظُّلْمَةِ حِسًّا ,
وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ أُمُور , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْل لَكِنَّهَا قَدْ تَكُون فِي الظَّاهِر غَيْرَ مُتَلَازِمَة , فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْل مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَلَا يَكُون إِقْبَاله حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْس وَكَذَلِكَ إِدْبَار النَّهَار فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ"وَغَرَبَتْ الشَّمْس"إِشَارَةً إِلَى اِشْتِرَاط تَحَقُّق الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار , وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوب الشَّمْس لَا بِسَبَبٍ آخَرَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار مَعًا لِإِمْكَانِ وُجُود أَحَدهمَا مَعَ عَدَم تَحَقُّقِ الْغُرُوب قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض
قَوْله: (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم) أَيْ دَخَلَ فِي وَقْت الْفِطْر وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْم لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَيْسَ طَرَفًا لِلصِّيَامِ الشَّرْعِيّ وَقَدْ رَدَّ اِبْن خُزَيْمَةَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل فَقَالَ: قَوْله"فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم"لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْر أَيْ فَلْيُفْطِرْ الصَّائِم , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا كَانَ فِطْرُ جَمِيعِ الصُّوَّامِ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار مَعْنًى ا هـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّل أَرْجَحُ (انه أمر بالتعجيل بالفطر) , وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مُعْتَمِدًا لَكَانَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فَصَامَ فَدَخَلَ اللَّيْل حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُوله وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَل شَيْئًا وَيُرَجِّح الْأَوَّلَ أَيْضًا رِوَايَة شُعْبَة أَيْضًا بِلَفْظِ"فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَار"
قَوْله: (فَاجْدَحْ) : الْجَدْح تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ الْمِجْدَحُ
(المراد تجهيز واعداد ما يفطرون عليه بتقليبه)
وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا اِسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفِطْر , وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِمْسَاك جُزْء مِنْ اللَّيْل مُطْلَقًا , بَلْ مَتَى تَحَقَّقَ غُرُوب الشَّمْس حَلَّ الْفِطْر. أ. هـ
وسئل ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن غروب الشمس: هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟
فأجاب: إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: [إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم] . أ. هـ ... [الفتاوى الكبرى - (ج 2 / ص 469) ]
قال الشوكانى:
قَالَ الْمُهَلِّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنْ اللَّيْلِ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ ا هـ.
وَأَيْضًا فِي تَأْخِيرِهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ عِنْدَ ظُهُورِ النُّجُومِ، وَقَدْ كَانَ الشَّارِعُ يَأْمُرُ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ بِأَنَّ مُعَجِّلَ الْإِفْطَارِ أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَلَا يَرْغَبُ عَنْ الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا مَنْ كَانَ حَظُّهُ مِنْ الدِّينِ قَلِيلًا كَمَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ. أ. هـ
[نيل الأوطار - (ج 7 / ص 89) ]
س: ماذا على من سافر من مكان قُبيل الغروب الى مكان لاتزال الشمس تشاهد فيه؟
الجواب: