وكانَ القطار سلاّك دروب، وحلاّل قلوب، تهرع إليهِ الأجساد الصغيرة بأشواق كبيرة، فما أن يُشير العقرب إلى الواحدة إلا ربعًا حتى تنفرط حلقات اللعب، وتنفضّ التجمّعات فلا سباقات الجري، ولا استعراض العضلات، ولا النطّ بالحبل، أو قذف الكرات أو ركوب الدراجة مسموحًا في وقتٍ كهذا. ومن كانَ نائمًا أفاق، أو غائبًا حَضرَ، أو مكلّفًا بعملٍ أدّاهُ بسرعةٍ أو أَجّلَهُ أو اعتذرَ عنهُ، ومن جاعَ أكلَ كمجنون أو تناسى جوعَهُ، ومن مرض جرَّ نفسهُ من السرير أو أطلَّ من الشّباك.. المهم أن يتلاقى الكل عند الواحدة على ضفاف السكّة الحديدية. فما أن يتناهى الهدير إلى آذاننا ويصل القطار حتى نرفع أنا و"شوشو"و"هديل"و"ليليان"، و"ميشو"مناديلًا ورقيّة نُطوّح بها فيحذو حّذْوَنا أولاد حارتنا، فمن أضاعً منديلهُ لَوّحَ بيده أو قُبّعتهِ أو ربطةِ عُنقهِ… ثم يدوّي صفيرَ وتصفيق، وقد يُحضر أحدٌ طبلًا فيقرع، أو مزمارًا فينفخ، أو مُكّبر صوت فيهتف ونهتف بعدهُ بمقاطع ممطوطة:
ياقِطار.. يا َحبّوب
يا سلاّك دروب دروب
ياساكن جُوّا القلوب
ويُلوّح لنا المسافرون بتعاطف وامتنان. أحيانًا ينفتح شبّاك فترمينا يدٌ بحفنة من السكاكر أو قطع النقود، أو نُقذَفَ بطابة أو بالونة أو صاروخ ورقي خُطّت في حواشيهِ رسالة. ونسرع إلى غنائمنا فيما يتابع القطار نُواحَهُ عابرًا السّكة:
ـ آووووو…. شك شك شك شك
شك شك شك شك
نُشيِّع القطار بأنظارنا وأفكارنا حتى يغدو نقطة سوداء يمتصُّها الأفق مُبقيًا على شريط دُخان يعلق برهة في الفضاء ثم يتبدد ـ كالسحر ـ متماهيًا في الغيم. ونعود أعقابنا إلى ولدناتِنا وشقاواتنا فلا نُبارح السكة ـ التي تنغل كخلية نحل ـ قبل ساعة أو اثنتَيْن حيثُ تتبارى البنات في الوثب بين العوارض الخشبية كما في (العفريدة) ، ويتسابق الصبيان مشيًا على جسرَيّ السكة اللّذين يعلوان عن الأرض في محاذاة المدرسة فيشكلان وضعًا حَرِجًا تدق عندهُ نواقيس الخطر ويتعالى هتافٌ وزعيق تحسُّبًا من مجهول قد يترّبص بأرعن فتزلّ قدمُهُ وينطرح أرضًا، وتنفر الدماء من منخرَيهْ أو تنبجس كخيط من أُذنهِ وفمه.