كانت حارتُنا النائية تشكّل همزة وصل بين المدينة وأطراف جبال جرداء. إنها تترامى إلى موضع سكّة قطار أفلحت في وضع حد للتكاثر الفوضوي لمساكنها. ولم يشذ عن القاعدة إلاّ مدرسة أثرية من طبقة واحدة تجاوزت السكة بمسافة مئة متر شرقًا. تلك كانت مدرستُنا واسمها"ديمانش"أي"الأحد". إنّها من نفائس ما خلّف الفرنسيون في عهد الانتداب. أمّا بيتنا فشغل شقة في عمارة قديمة تتلاقى مع المدرسة بخط مستقيم مائل، يتقاطع مع السكة مشكلًا زاوية حادة. وهكذا"أتصبّح"بوجه مدرستي، وبالسكة التي يعبرها القطار يوميًّا في رحلتين: الواحدة ظهرًا… والرابعة فجرًا، فإن تعذّرَ علينا انتظار المرور الليلي للقطار فلا أسهل من المُضيّ لملاقاته نهارًا، إنهُ موعدٌ لا نفوّتّهُ نحنُ الأولاد، وكذلك حارتُنا التي تُكنس أطفالها وتركنُهم عند السكّة ظهر كل يوم، فيتسنّى للأهل أن يتنفّسوا الصعداء.
وفي حارتنا، كما في العاصمة، كما في تلك البلاد، كانَ الأمان منهوبًا حتى بعد رحيل المستعمر الذي تركَ البلد فريسةَ مفارقات فاضحة تبدأ بالتسميات وتنتهي بالحروب الدامية. ففي شارعنا تصادف أسماءً كَ:"عبد الرحيم"و"رامي"و"عائشة"و"حلا". وتجد:"ألفريد"و"سيلفانا"و"روزماري"و"جان بول".
وفي حارتنا أجانب بجنسيات كثيرة وانتماءات دينية متعددة وبها مواطنون أصليون وآخرون"متأصلون"، وبعض شركس وأرمن، وعصبة يهود، فلا غرابة أن تتعرف بأحد فيقول لك:
-اسمي"مَردْكيْان"أو"جاكوب"أو"أزنيف"أو"حرطوم".
فتردّ مشدوهًا:
-تشرفنا.
القطار العابر وحدهُ كان يجمع دونَ تمييز. يُلملم شتات الناس ويؤلّف بين القلوب.
من عشرينَ سنةً كنتُ في التاسعة، وفي طفولةٍ كهذه لابُدَّ أن تتبلور خبرتي بأقراني، فأنتمي لُعصبة من الرفاق أختارُها أو تختارُني أو أثبت معها في غربال السنين.