إنها معادلة معكوسة ، رفع النبي صلى الله عليه وسلم منذ الوهلة الأولى لبعثته لواء اعتدالها ، وذلك بأن جعل من القلب محور العمران لحياة الإنسان ، فصوب سهام الحق إلى تلك القلوب المتنافرة ، فلانت بإذن ربها ؛ فإذا هي متآخية ، وأضحى العمران محله القلوب الطاهرة ، ثم انطلق منها لينشر الخصب والرخاء في أرجاء الصحاري القافلة ، فكان عمار الجدران ، منبته عمران الوجدان ، وكانت الرحمة بين الناس بديلًا للغدر والكفران ، فسعدت حينذاك البشرية في أولاها وآخرتها ، وابتسمت الدنيا لأهلها ، وكان هذا بالفعل المعنى الحقيقي للعمران ، أما أن يتحول الناس إلى جدران !! ويفقدوا أدنى مستويات الشعور بالوجدان ، فإنه والله عمران الخراب ، وإن شئت فسمه خراب العمران ، وليس عمار العمران ، إنها المأساة المأساوية ، والمعادلة البهيمية أن يقنع الناس بمأكلٍ أو مشربٍ تحت ظلال المخاوف ومكر الليل والنهار ، تمامًا كما تفعل الحيوانات ، ويعرضوا عن المعنى الحقيقي الذي من أجله خُلقت هذه الحياة ، ألا وهو ( ليبلوكم أيكم أحسن عملًا ) فمن أحسن العمل ( دنيا ودين ) حسنت له دنياه بطيب العيش ، وحسن العشرة ، ومن أساء ، ساءت له دنياه وآخرته ، ألا فعمروا القلوب ، واجعلوها منطلقًا لعمار البشرية _ روحًا ومادة ، قولًا وعملًا ، دعوة وقدوة _ وحيينها سوف تهنأ لكم وبكم الحياة ، وسوف يكون عماركم الدنيا بالإسلام ، خير دعوة لكافة الأنام ، حين يجدوا لديكم ما يفقدون ، ويرتووا من نبعكم ما كانوا له متعطشون ، ولن يكون ذلك إلا بأن نعمر من قلوبنا روح حياتها وليس فقط شرايين دمائها ؛ فإذا ما استطعنا ذلك ، أضحى محتمًا على أيدينا تحقيق معنى العمران
على من ستدور الدائرة ؟!