خراب العمران أم عمران الخراب ؟!
يندفع الناس بقوة نحو وجهة النظر القائلة بأن عمار المدن ، وتشييد البنيان ، وتوفير كافة سبل الراحة هي وحدها الأسباب التي توفر السعادة للإنسان ، وعلى كافة المجتمعات أن تبذل قصارى جهدها للتسابق في هذا الميدان ؛ كي ما تسعد البشرية ، ويهنأ الإنسان ، وعلى هذا سار الناس ، حتى أضحت المظاهر فقط هي ميدان التنافس بين كافة البشر ، سواءً كانت على مستوى الأفراد أو المجتمعات ؛ مما جعل المادة هي لغة التعامل الوحيدة بينهم ، وعلى مبادئها يتقاربون أو يتباعدون ؛ فخلقت هذه الأجواء أناسًا بلا قلوب ، وصورًا بلا أرواح ؛ حتى تكاد تشعر معها أنك تعيش في غابة _ سكانها يشبهون فقط خلقة البشر _ وإنما قلوبهم أشبه ما تكون بقلوب الثعالب والذئاب ، فإذا ما كنت فيهم ضعيفًا افترسوك ؛ فلم يبقوا فيك باقية ، وإذا ما كنت فيهم جبارًا عتيًا طأطئوا لك الرؤوس _ لا حبًا فيك ، ولا احتراماُ لشخصك _ وإنما حرصًا على البقاء وخوفًا من الفناء ، وذلك حسبما تقتضيه حسابات لغتهم المادية ، إنها بالفعل مغالطة كبيرة ، أن نصف بعض المباني والجسور والجدران بالعمران الذي يجلب السعادة للبشر ، في حين أن سكان هذا العمار ، يمثلون بقلوبهم حقيقة الخراب بكل ما يعنيه من معاني البؤس والشقاء والخوف والفزع والحرمان والهلع !!