الصفحة 33 من 119

عليما). ولما كانت الآية، قد اشتملت على الكلام السيء، والحسن، والمباح، أخبر تعالى، أنه سميع، فيسمع أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم. وفيه أيضا ترغيب على القول الحسن؛ وأنه عليم بنياتكم ومصدر أقوالكم. ثم قال تعالى (إن تبدوا خيرا أو تخفوه) وهذا يشمل كل خير، قولي، وفعلي، ظاهر، وباطن، من واجب، ومستحب. (أو تعفوا عن سوء) أي: عمن أساء إليكم في أبدانكم، وأموالكم، وأعراضكم، فتسمحوا عنه، فإن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا لله، عفا الله عنه، ومن أحسن، أحسن الله إليه، فلهذا قال: (فإن الله كان عفوا قديرا) أي: يعفو عن زلات عباده، وذنوبهم العظيمة. فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام، الصادر عن قدرته. وفي هذه الآية، إرشاد إلى التدبر في معاني أسماء الله وصفاته، وأن الخلق والأمر، صادر عنها، وهي مقتضية له، ولهذا يعلل الأحكام، بالأسماء الحسنى، كما في هذه الآية. لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء، رتب على ذلك، بأن أحالنا على معرفة أسمائه، وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص ...

قلت: ما دام الله عز وجل (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ) فإنه تعالى يبغض من يجهر بالسوء، فليحذر المرءُ خطرَ لسانه ... وليذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ... فإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء) . رواه الترمذي

أما من ظُلم فقد أُبيح له الرد على من ظلمه، بقوله تعالى: (إِلاَّ مَن ظُلِمَ) ، وباعتبار الظلم اعتداء، جاز للمعتَدى عليه الرد، بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 194) ... وإنْ يتركِ المظلوم الرد بالمثل ويلجا إلى الله يشكو إليه ظالمه ويدعو، يكنْ له خيراًَ .. لأن الله تعالى (يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج: 38) ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٌ لا شكَّ فيهنَّ: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم". رواه أبو داود ..

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل. والصائم حتى يفطر. ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) . رواه ابن ماجه

و عن ابن عباس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن،- فقال: ... واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب. رواه البخاري ومسلم ...

قال ابن حجر في فتح الباري:

قوله واتق دعوة المظلوم أي تجنب الظلم لئلا يدعوَ عليك المظلومُ .. وفيه تنبيه علىلمنع من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم= فإياك وكرائم أموالهم=، الإشارة إلى أن أخذها ظلم .. وقال بعضهم عطف واتق على عامل إياك المحذوف وجوبا فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم ولكنه عمم إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقا ... وقوله ليس بينها وبين الله حجاب، أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا = دعوة المظلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت