الصفحة 29 من 119

المباحة والمحرمة، على عدم الفضيحة عند الناس، وهم ـ مع ذلك ـ قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم، في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يُرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسموات المطلع على سرائرهم وضمائرهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: (وكان الله بما يعملون محيطا) أي: قد أحاط بذلك علما. ومع هذا، لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم، الموجب للعقوبة البليغة. (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا) أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة، عند الخلق. فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) . فمن يجادل عنهم، من يعلم السر وأخفى، ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية، الإرشاد إلى المقابلة، بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله، أو فعل مناهيه. وبين ما يفوت من ثواب الآخرة، أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا، فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة، قالها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي، ويعقبها من الهموم والغموم، والحسرات، وفوات الثواب، وحصول العقاب ـ ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره، وهو خاصة، العقل الحقيقي. بخلاف من يدعي العقل، وليس كذلك. فإنه ـ بجهله وظلمه ـ يؤثر اللذة الحاضرة، والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. ثم قال تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) أي: من تجرأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارا تامًا، يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده مَن لا يخلف الميعاد، بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه، لأنه قد غفره، وإذا غفره، غفر ما يترتب عليه. واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق، يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة. وسمي «سوءا» لكونه يسوء عامله بعقوبته ولكونه ـ في نفسه ـ سيئا، غير حسن. وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق، يشمل ظلمها بالشرك، فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر، قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه: فيفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ... ويفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده. وسمي ظلم النفس «ظلما» لأن نفس العبد، ليس ملكا له، يتصرف فيها بما يشاء. وإنما هي، ملك لله تعالى، قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها الصراط المستقيم، علما وعملا، فيسعى في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب. فسعيه في غير هذا الطريق، ظلم لنفسه، وخيانة، وعدول بها عن العدل، الذي ضده، الجور والظلم. ثم قال: (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه) وهذا يشمل كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت