الصفحة 28 من 119

النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا *) (النساء: 105 - 113)

قال السعدي رحمه الله:

يخبر تعالى، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظ في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل. بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق. فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام: 115) . وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس وفي الآية الأخرى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44) . فيحتمل أن هذه الآية، في الحكم بين الناس، في مسائل النزاع والاختلاف. وتلك في تبيين جميع الدين، وأصوله، وفروعه. ويحتمل أن الآيتين كلتيهما، معناهما واحد. فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد، وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أي: لا بهواك، بل بما علمك الله وألهمك. كقوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *) (النجم 3 - 4) . وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم، فيما يبلغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها. وأنه يشترط في الحكم، العلم والعدل لقوله:: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا، الحكم بين الناس على معرفة الكتاب. ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط، نهاه عن الجور والظلم، الذي هو ضد العدل فقال: (ولا تكن للخائنين خصيما) أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك، أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل، في الخصومات الدينية، والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. (واستغفر الله) مما صدر منك إن صدر. (إن الله كان غفورا رحيما) أي: يغفر الذنب العظيم، لمن استغفره، وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك، الموجب لثوابه، وزوال عقابه. (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) . «الاختيان» و «الخيانة» بمعنى الجناية، والظلم، والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة، من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) أي: كثير الخيانة والإثم. وإذا انتفى الحب، ثبت ضده، وهو البغض، وهذا كالتعليل للنهي المتقدم. ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) . وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم، أعظم من مخافة الله فيحرصون بالطرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت