فهذه وصايا نَبِيِّكم الذي كانَ بنا رَؤُوفاً رحيماً، حريصاً على صلاحنا⁽١⁾، الذي لا يَنْطِقُ عن الهوىٰ إن هو إلا وَحْيٌ يوحىٰ⁽٢⁾، فعليكم بها، ودَعُوا أقوالَ البطَّالينَ الكذَّابين المُفْسِدينَ في الأرضِ القائلينَ: إنَّ سُرْعةَ اللِّسانِ بالاستغفار توبةُ البطَّالينَ. كَذَبوا وأفكوا، بل هم البطَّالونَ المُبْطِلونَ حَقّاً، العائِجُونَ عن سبيلِ ربِّهم، وعن صراطِ نبيِّهم المستقيم، بل الاستغفارُ تركُه علامةُ الفاسقينَ المصرِّينَ المستخِفِّينَ، نعوذُ بالله من مِثْلِ سِيرَتِهم.
فهذه - وفقنا الله وإيَّاكم - حظوظٌ رفيعةٌ مع سهولةِ مَأْخَذِها، وقُرْبِ متناولها، لا تَقْطَعُ بأحدٍ منكم عَنْ عَمَلِهِ، ولا تَقْطَعُ جِسْمَهُ، ولا تَرْزَؤُهُ كُلْفةً، إذا أحصاها عالمُ الغيب والشهادة - عزَّ وجلَّ - اجتمعَ بها ما يُرْجىٰ تثقيل ميزان الحسناتِ، فتحبط بذلك السيئاتُ، فلعلَّ النَّجاةَ تَحْصُلُ.
ولسنا نقولُ هذا على الاقتصار على ذلك دونَ الاستكثارِ مِنْ سائر أعمال الخير، ومِنْ تلاوة القرءان ما أمكنَ، فإنَّا روينا عن ابن عباس - رضي الله عنه -، أو عن أنس بن مالك - الشَّكُّ مِنِّي⁽٣⁾ - أنَّه قال: إنَّكُم لَتَعْمَلُونَ أعمالاً هي أدَقُّ في عُيُونِكُم مِنَ الشَّعْرِ؛ كنَّا نَعُدُّها على عَهْدِ رسولِ الله مِنَ الموبقاتِ⁽٤⁾.
--------------------
= رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ إليهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ
مَرَّةً».
(١) كما أخبرنا الله - تعالى -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ١٢٨﴾ [التوبة: ١٢٨] .
(٢) تضمين لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ٤﴾ [النجم: ٣ - ٤] .
(٣) والصَّواب: أنس بن مالك - رضي الله عنه -؛ أخرجه عنه: أحمد (١٦٠٤) ،
(١٤٠٣٩) ، والبخاريُّ (٦٤٩٢) ، وأبو يعلى (٤٢٠٧، ٤٣١٤) ؛ وغيرهم. ورواه أحمد
(١٠٩٩٥) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، و (١٥٨٥٩) عن عُبادة بن قُرْط - رضي الله عنه -.
(٤) فسَّرها الإمام البخاريُّ بالمُهْلِكاتِ. وقال الحافظ في «الفتح» : ووقع للإسماعيليِّ [يعني في: «المستخرج» ]: كُنَّا نَعُدُّهَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وكأنَّه ذكره بالمعنى. وقال ابن بطَّال: المحقَّرات إذا كثرت صارت كباراً مع الإصرار، وقد أخرج أسد بن موسى في «الزُّهْد» عن أبي أيوب الأنصاريِّ؛ قال: إنَّ الرَّجُلَ=