عارضٍ لها على القرءان وحديث النبي؛ فهو فاسقٌ، لعصيانه ما أمره الله - تعالى - به، ولأنه لم يَحْكُم بما أنزل الله. فمن جَمَعَ إلى هذا استحلالَ مخالفةِ ما رُوي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يعتقدُ صِحَّته عنه - عليه السَّلام - لقول أحدٍ دونه، واعتقدَ أنَّ هذا جائزٌ فهو كافرٌ مشركٌ مرتدٌ عن الديانة، مُنْسَلِخٌ عن الإسلام، حلالُ الدَّم والمال. روينا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «كُلُّ أَحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا مَنْ أَبَى» قيل: يا رسول الله ومَنْ يَأْبَى؟ قالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»⁽١⁾. ولا تَحْسَبُوا أنِّي سَبَقْتُ إلى هذا القول، فمعاذَ الله أن أقولَ ما لم يَقُلْهُ الله - تعالى - ورسوله، قالَ الله - تعالى -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾ [النساء: ٦٥] . فأنا أقولُ: والله ما ءامَنَ مَنْ حَكَمَ غيرَ رسولِ الله في دينه.
واعلموا - أيضاً - أنَّ هذا الذي قلتُ هو رأيُ الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وإسحاق بن راهويه، فإنَّه بلغني عن مالكٍ - رحمه الله - أنَّه سأله سائلٌ فقالَ: يا أبا عبدالله! ما تقولُ في رجلٍ قيلَ له: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا، فقال هو: قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ كذا؟ فقال مالكٌ: أرى أن يُسْتَتَابَ، فإن تاب وإلا قُتِلَ.
وبلغني عن الشَّافعيِّ - رحمه الله - أنَّه ذكر يوماً حديثاً عن النبيِّ - عليه السَّلام - فقالَ له إنسانٌ: يا أبا عبدالله؛ أتأخذُ بهذا الحديث؟ فقال له الشَّافعيُّ: أرأيتَ يا هذا عليَّ زِنَّاراً خارجاً مِنْ كنيسة؟ تسمعني أُحدِّثُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقولُ لي: تأخذُ به؟ وما لي لا ءاخُذُ به؟ إذا صحَّ الحديثُ عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو ديني وقَوْلي⁽٢⁾.
--------------------
(١) رواه البخاري (٧٢٨٠) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ بلفظ: «كلُّ أمتي يدخلون ...» والباقي سواء.
(٢) رواه المصنِّف - مختصراً - في «الإحكام في أصول الأحكام» الباب (٣٥) ، فصل: هل يجوز تقليد أهل المدينة، ٣٢٧/٦، ط: بيروت. وتجد جملة طيبة من أقوال الأئمة الأربعة - رحمهم الله - في لزوم اتباع الدليل، والنَّهي عن التقليد، في مقدمة «صفة صلاة النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» للإمام محمد ناصر الدين الألباني؛ طيَّب الله ثراه، ورضي عنه وأرضاه. ءامين