يقول الشيخ: (إن الدلائل الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى، ومعجزاته أعظم من معجزات غيره، والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره، والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى - عليهما السلام - وأمته أكمل في جميع الفضائل من أمة هذا وهذا. ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع وعمل صالح إلا وهو في القرآن مثله وأكمل منه , وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن على محمد صلى الله عليه وسلم إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى، وهذه جملة مبسوطة في موضع آخر لم نبسطها هنا، لأن جواب كلامهم لا يحتاج إلى ذلك، فيمتنع الإقرار بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام مع التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يفعل ذلك إلا من هو من أجل الناس وأضلهم، أو أعظمهم عنادًا واتباعًا لهواه)
قلت: تأمل قوله: (فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن على محمد صلى الله عليه وسلم إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى)
إذا تأملت هذه العبارة تبين لك بوضوح منهج شيخ الإسلام المطرد في مثل هذه المواضع التي يعظم فيها نبي أو صحابي أو ولي على حساب نبي أو صحابي أو ولي آخر، فإنه رحمه الله يلزم ذلك المعظم الجهول أن يعظم الجميع ويثني عليهم وإلا فإنه لا يستقيم له أن يعظم بعضهم ويطعن في بعضهم، لأنه ما من طعن أو اتهام باطل يمكن أن يوجه لأحدهم إلا سيوجه للآخر مثله أو أعظم منه. لأن النفس الدنيئة لن تعدم مثل هذه الاتهامات الباطلة على الأفاضل، فإذا كان أصحاب الإفك كاليهود مثلًا قد مسوا جانب الله وعظمته في قولهم (يد الله مغلولة) فما ظنك ببني البشر؟ مهما علت منزلتهم.
إذًا:
فخلاصة منهج شيخ الإسلام في مثل هذه المقامات التي يمجد فيها شخص على حساب آخر، ويكونان جميعًا من أهل الفضل، أو يكون المطعون فيه أفضل من الممجد كأبي بكر مع على مثلًا، فإن الشيخ - رحمه الله - يبين لهم أنكم إذا طعنتم في هذا الشخص الفاضل بالطعونات الباطلة فسيأتي قوم مثلكم لا خلاق لهم يطعنون فيمن مجدتموه بنفس طعونكم، فماذا سيكون موقفكم تجاههم؟ إلا الكف عن الأفاضل وإنزالهم منزلتهم التي أرادها الله لهم.
هذا هو منهج شيخ الإسلام، وليس معنى هذا أنه يطعن فيمن مجده الغلاة، لأن هذا الأمر لم يخطر بباله أصلًا، لأنه ينقض شبهة هؤلاء بشبه غيرهم من أهل الباطل، كاليهود مع النصارى، والروافض مع النواصب، ثم يبرز منهج الأسلام أو منهج أهل السنة، كما فعل مع علي - رضي الله عنه - مثلًا، حيث أكثر من ذكر فضله ومكانته في كتابه"منهاج السنة"الذي يدعي خصومه أنه تنقصه فيه، وما كان لمثل شيخ الإسلام أن يتناقض قوله لا سيما في كتاب واحد ولكن القوم لم يفهموا مقصد شيخ الإسلام من عباراته تلك فبادروه بتلك التهمة، ولا سيما والنفوس مولعة بالطعن فيمن على صيته وانتشرت تزكيته في الآفاق كشيخ الإسلام الذي لن يعدم حاسدًا أو حاقدًا فوق كل أرض وتحت أي سماء.
قلت: ومن هذه المقارنات التي يقوم بها شيخ الإسلام للحاجة أنه أجرى مقارنة بين ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهما - ليبين الفرق بين الحفظ وبين الاستنباط فيقول: (وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره، واستنباطه، من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسًا، فكانت