الصفحة 17 من 575

فهذه الطريقة تميز بها شيخ الإسلام، ولم يستخدمها مع على - رضي الله عنه - والخلفاء الثلاثة كما يعتقد أعداؤه، وإنما هي طريقة مطردة له رحمه الله في كل موقف مشابه.

فمن ذلك أنه - رحمه الله - عقد مقارنة بين ما ثبت لموسى من فضائل وما ثبت لعيسى - عليهما السلام - قاصدًا من ذلك الرد على النصارى الذين يغلون في عيسى عليه السلام ويحطون من قدر غيره من الأنبياء.

قال - رحمه الله - (إنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها، فإن المسيح صلى الله عليه وسلم وإن كان جاء بإحياء الموتى، فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا:(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة) ثم أحياهم الله بعد موتهم، وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنيباء والنصارى يصدقون بذلك.

وأما جعل العصا حية فهذا أعظم من إحياء الميت، فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة وأما جعل خشبة يابسة حيوانًا تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القدرة وأقدر، فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حياة.

وأما إنزال المائدة من السماء فقد كان ينزل على عسكر موسى كل يوم من المن والسلوى وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلو أو اللحم دائمًا هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والمسك وغيرهما، وذكرت له نحوًا من ذلك مما تبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه، وإن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركًا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى قد يكون أكمل في ذلك منه.

وأما خلقه من امرأة بلا رجل، فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك، فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد، بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد، فما من أمر يذكر في المسيح صلى الله عليه وسلم إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم)

قلت: إذًا فشيخ الإسلام عندما عقد هذه المقارنة بين موسى وعيسى - عليهما السلام - وما ثبت لهما من فضائل إنما يريد الرد على من يغلو في عيسى - عليه السلام - مستغلًا ما ثبت له من خصائص على حساب غيره من الأنبياء، فأراد شيخ الإسلام أن يوقف غلوه هذا ببيان أن ما ثبت لعيسى من خصائص فإنها ثابتة لغيره من الأنبياء، مثلها أو أعظم منها، فلماذا هذا الغلو؟

وهو بهذا الموقف يحفظ لكل أنبياء الله حقوقهم، ويدفع عنهم طعن الطاعنين وازدراء الشانئين، ويصرف عنهم غلو الغالين، ولا يقول عاقل قط بأن صنيع شيخ الإسلام هذا فيه ازدراء وتنقص لعيسى - عليه السلام -

لأنه - رحمه الله - لم يتنقصه، وحاشاه أن يفعل ذلك، أو أن يظن به ذلك، وإنما ذب عن عرض إخوانه من الأنبياء - عليهم السلام- دون أدنى تعرض لمقام عيسى - عليه السلام -.

وقارن بين صنيعه - رحمه الله - مع عيسى وموسى - عليهما السلام - وقارنه مع صنيعه مع على والخلفاء الثلاثة - رضوان الله عليهم - تجد أن الموقف متشابه وأن منهج شيخ الإسلام واحد لا يتغير أمام غلاة الكفار وغلاة المبتدعة الذين يغلون في شخوص بعض الأنبياء أو بعض الأولياء، ويذمون غيرهم.

قلت: وفي موضع آخر يجري شيخ الإسلام مقارنة بين موسى وعيسى - عليهما السلام - وبين محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ردًا على اليهود والنصارى الذين يؤمنون بموسى وعيسى - عليهما السلام - ولا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت