وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قتل رجلًا بعد ما قال: لا إله إلا الله، وعَظَّمَ صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره، وقال: [يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ وكرر ذلك عليه، حتى قال أسامة: تمنيت إني لم أكن أسلمت إلا يومئذ] . ومع هذا لم يوجب عليه قودًا، ولا دية، ولا كفارة فإنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القاتل لظنه أنه قالها تعوذًا.
فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضًا من أهل الجمل وصفين، ونحوهم، وكلهم مسلمون كما قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} (الحجرات:9) فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبَغْيِ بعضهم على بعض أخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.
ولهذا كان السلف مع القتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين، ولا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه [أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يُعْطَ ذلك] وأخبر أن الله تعالى لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبي بعضًا.
وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم} قال [أعوذ بوجهك] {ومن تحت أرجلكم} قال [أعوذ بوجهك] {أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال [هاتان أهون] .