فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك، بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره، ولهذا يقول (حاضر المنكر كفاعله) ، وفي الحديث: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر] (صحيح الجامع 6506) . وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال صلى الله عليه وسلم: [المهاجر من هجر ما نهى الله عنه] (البخاري 10)
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر، والفسوق إلى دار الإسلام، والإيمان. فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: {والرجز فاهجر} (المدثر:5)
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، فيهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا -حتى أنزل الله توبتهم- حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير، وإن كان منافقًا، فهنا الهجر بمنزلة التعزير.
والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.