"وأيضًا فقد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما لا يكفر مخالفه بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، مثل الخطأ في الفروع العملية، وإن كان بعض المتكلمة والمتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب، فهذان القولان شاذان، ومع ذلك فلم يقل أحد بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها، ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ المنازع فيها بالنصوص والإجماع القديم، مثل استحلال بعض السلف والخلف لبعض أنواع الربا، واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر، واستحلال آخرين للقتال في الفتنة."
26-لا يفسق المعروف بالخير من المسلمين بخطأ أخطأ فيه أو تأويل باجتهاد.
وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير، كالصحابة المعروفين، وغيرهم من أهل الجمل وصفين من الجانبين لا يفسق أحد منهم، فضلًا عن أن يكفر، حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء إلى سائر أهل البغي، فإنهم مع إيجابهم لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم لأجل التأويل، كما يقول هؤلاء الأئمة: إن شارب النبيذ المتنازع فيه متأولًا لا يجلد ولا يفسق. فقد قال تعالى: {وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث، إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلًا آتينا حكمًا وعلمًا} (الأنبياء:77-79) وقال تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} (الحشر: 5) وثبت في الصحاح من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر] وثبت في الصحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم] (الفتاوى 12/495)