عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ مِنْ تَرَادُفِ التَّعْرِيفِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ مَا يَأْمَنُ التَّدْلِيسَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَظْهَرَ سُؤَالَ مَنْ لَا يُفْهَمُ غَرَضُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا حَضَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَهُ الْكَشْفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَشِبْهِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ بِهِ عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا، فَيَذْكُرُ الْمُعَرَّفِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَالْوَجْهَ الَّذِي تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُقْبَلُ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَدْلِيسٌ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَهْمَلُوهُ مِنْ سُؤَالِ الْمُعْتَدَّةِ إذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ وَمُبَاحَثَتِهَا عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ أَحْكَامُهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَتَعْيِينِ الْأَقْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَيَنْبَغِي الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهَا: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي. عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ الْيَوْمَ قَدْ جَهِلْنَ ذَلِكَ جَهْلًا كَثِيرًا، بَلْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمٌ وَيَرَى لِنَفْسِهِ حَظًّا وَتَقَدُّمًا، وَقَدْ عَايَنْتُ بَعْضَ الْجَهَلَةِ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ يَسْتَغْنِي عَنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ جُمْلَةً إذَا هُوَ وَجَدَ التَّارِيخَ لِلطَّلَاقِ شَهْرَيْنِ فَصَاعِدًا، وَاِتَّخَذَ الْيَوْمَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْمُدَّةِ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ أَصْلًا فِي إكْمَالِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا الْغَلَطُ الْقَبِيحُ.
(فَصْلٌ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ أَنْ يَقْرَأَ جَمِيعَ مَا فِيهِ؛ لِيَعْرِفَ الْخَطَأَ إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الصَّوَابِ وَالصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ فَيَعْرِفُ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلْتَكُنْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَيْسَ لَهُ بِهِنَّ خِلْطَةٌ، فَلَنْ تَنْضَبِطَ مَعْرِفَةُ الْمَعْرُوفَةِ فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولَةِ وَاَلَّتِي لَا يَرَاهَا الشَّاهِدُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ مُتَخَفِّيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ ذِي جُرْحَةٍ أَوْ مُتَّهَمٍ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ عَنْهُ وَمَا لَا يُقْبَلُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ غَلَطِ الْحُكَّامِ فِيهِ إذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ نَقْلَكَ عَنْهُ يُوهِمُ عَدَالَتَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَا يُعْلَمُ بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ التَّحَفُّظُ مِنْ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ فِي الْخَطِّ فَقَدْ هَلَكَ بِذَلِكَ خَلْقٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تَنْقَلِبُ بِإِصْلَاحٍ يَسِيرٍ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ تَغْيِيرِهَا نَحْوَ"مُظَفَّرٌ"فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ"مُطَهَّرٌ"، وَنَحْوَ"بَكْرٌ"فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ"بَكِيرٌ"، وَنَحْوَ"صَقْرٌ"فَإِنَّهُ يَجِيءُ"صَفَرٌ"فَيَكُونُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ"صَفَرُ بْنُ ظَفَرٍ"مَثَلًا فَيَصْلُحُ"ظَفَرُ بْنُ مُطَهَّرٍ"، وَنَحْوَ"حَبِيبٌ"فَإِنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ"حَمْدٌ"وَنَحْوَ"عَائِشَةُ"فَإِنَّهُ يَصْلُحُ"عَاتِكَةُ"، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا"فَاطِمَةُ"، وَيَجِيءُ مِنْ"زَاذَانَ""شَاذَانُ"، وَيَجِيءُ مِنْ"يَاقُوتُ""يَاقُوبُ"، وَيَجِيءُ مِنْ"جَمِيلٌ""كَمِيلٍ"، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا"خَلِيلٌ"، وَيَجِيءُ مِنْ"سَارٍ""يَسَارُ"، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا"بَكَّارٌ"، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا"نَصَّارٌ"، وَيَجِيءُ مِنْ"عَبْدِ الْمَجِيدِ""عَبْدُ الْحَمِيدِ"، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذَا.
وَقَدْ يَكُونُ آخِرُ السَّطْرِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ آخِرُهُ"بَكْرٌ"فَيُزَادُ"بَكْرَانِ"، أَوْ يَكُونُ"عُمَرُ"فَيُجْعَلُ"عِمْرَانَ".
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ تَتِمَّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ، فَقَدْ تُغَيِّرُ الْأَلِفُ الْمَعْنَى إذَا زِيدَتْ، مِثَالُهُ أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَكْتُبَ فِي الْوَثِيقَةِ"أُقِرُّ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ"، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ نِصْفَ الْمَبْلَغِ أَمْكَنَ زِيَادَةُ أَلِفٍ فَصَارَتْ"أَلْفَا دِرْهَمٍ"، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِذَا زِيدَتْ أَلْفٌ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو صَارَتْ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، فَبَطَلَ الدَّيْنُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ لَمْ يُجْزَمْ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْكِتَابِ دِينَارٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ دِينَارًا وَنِصْفَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ وَنِصْفَ.
وَكَذَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ حَوَاشِيَ الْكُتُبِ فَقَدْ يَبْقَى مِنْهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْكِتَابِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ.