لكن يلاحظ أن سعة تلك الجهود التفسيرية دفعت من جاء بعدُ إلى العكوف على الاختصار
أو التعليق أو التتبع لجهود السابقين، وانحسرت جهود التأليف والإبداع، وترافق ذلك مع ما سمِّي في التاريخ الإسلامي بمرحلة الانحطاط والتقليد والركون إلى جهود من سبق، وسادت مقولة: ليس بالإمكان أفضل مما كان !!
وبدخول عصر النهضة الحديثة، وصعود ما أُطلق عليه ظاهرة"الصحوة الإسلامية"وما شهده هذا العصر من تطورات على الأصعدة كافة، بدأت تظهر العديد من الجهود الإبداعية في مجال تفسير القرآن الكريم؛ فكان من ملامح هذه المرحلة ظهور التفسير الموضوعي للقرآن، أي تفسير القرآن الكريم حساب موضوعات معينة، كموضوع الأخلاق، وموضوع العلم، ما أشبه ذلك .
وكان من ملامح هذه المرحلة كذلك ظهور التفسير العلمي للقرآن الكريم .
ولا ريب أن هذا التنوع والتعدد في الجهود المبذولة لتفسير القرآن الكريم أمر محمود ومشروع، ما دام مضبوطًا بضوابط الشرع وموجهاته؛ وهو في حد ذاته دليل على إعجاز هذا الكتاب، ودليل - من ثَمَّ - على خلوده وتجدد عطائه بتجدد الفكر الذي يتعامل معه ويتوجه إليه .
( الباب الثالث )
اتجاهات التفسير
ظهرت اتجاهات متعددة في التفسير . وغرضنا في هذا الباب بحث أهم هذه الاتجاهات ودراسة خصائصها . وسنخص بالذكر و الدراسة في كل اتجاه كتابا ً هاما ً من كتب التفسير يمثل هذا الاتجاه.
والاتجاهات التي سنفرد لكل واحد منها باب فهي الاتجاه اللغوي . و التفسير بالأثر ، والتفسير بالرأي ، والتفسير العلمي ، و التفسير الإصلاحي ، و سنشير بعد ذلك في فصل واحد إلى اتجاهات أخرى مثل التفسير الموضوعي و الفقهي و الإشاري . وليس من شك في أن أهم هذه المدارس التفسيرية مدرستان قامتا منذ وقت مبكر هما مدرسة التفسير بالمأثور
ومدرسة التفسير بالرأي.
( الفصل الأول )
الاتجاه اللغوي في تفسير القرآن: