الصفحة 8 من 28

ونحن نرى أن التعسف في استعمال الحق ليس إلا هذه الضوابط الثلاثة التي نصت عليها المادة الخامسة من القانون المدني، وأما اعتبار الغلو في استعمال الحق، أو استعمال الحق بطريقة خالية من الاحتراس صورتين من صور التعسف في استعمال الحق فبعيد، كما سيتبين ذلك عند كلامنا عن الغلو في في استعمال الحق، واستعمال الحق بدون احتراس.

وإليك الكلام عن ضوابط التعسف في استعمال الحق، مع ملاحظة أننا سنبين أن هذه الضوابط تستند إلى الأدلة الشرعية، وأن فقهاء المسلمين قد بينوا في مؤلفاتهم الأحكام التي تتفق مع هذه الضوابط.

الضابط الأول: قصد الإضرار بالغير:

قد يكون قصد إحداث الضرر بالغير هو الدافع لاستعمال إنسان لحقه ولا مصلحة له في هذا الاستعمال فيتحقق بذلك التعسف في استعمال الحق، بل إن هذه الصورة من صور الاستعمال تعد أظهر صور إساءة استعمال الحق على الإطلاق [1] وذلك كالذي يهدم جداره الذي كان ساترا لجاره وليس له من غرض إلا الإضرار بجاره، فهو في هذه الحالة متعسف في استعمال لحقه، وقرر الإمام أحمد الدردير أحد كبار علماء المالكية أنه يطالب حينئذ بإعادة بناء الجدار.

وأما إذا كان قد هدمه مريدا إصلاحه كخوفه من سقوطه مثلا، أو سقط الجدار بنفسه فلا يتحقق التعسف هنا، ولا يطالب بإعادة بناء الجدار، ويقال للجار: استر على نفسك إن شئت الستر [2] .

ومن صور قصد الإضرار بالغير أيضًا أن يحفر المالك بئرًا في أرض يملكها، قاصدا بها الإضرار بالناس [3] .

هذا ويجب أن ننظر إلى الإضرار بالغير في نطاق السلوك المألوف للشخص العادي، فإذا كان التصرف الذي تصرفه المالك جامعا بين الإضرار بالغير وتحقيق المصلحة للمالك، فإنه يجب أن ينظر في المصلحة التي ترتبت على هذا التصرف، فإذا كانت من الأهمية بحيث لا يعتبر الضرر الذي أصاب الغير كان هذا التصرف مشروعا خاليا عن التعسف، وأما إذا كان المالك لا يبغي أي مصلحة لتصرفه هذا التصرف، فإذا كانت من الأهمية بحيث لا يعتبر الضرر الذي أصاب الغير كان هذا التصرف مشروعا خاليا عن التعسف، وأما إذا كان المالك لا يبغي أي مصلحة لتصرفه هذا ولا يريد إلا الإضرار بالغير فهنا يوجد التعسف في استعمال الحق، وكذلك إذا تحققت بتصرفه الذي يقصد

(1) التعسف في استعمال الحقوق وإلغاء العقود، لحسين عامر ص104.

(2) الشرح الكبير: لأحمد الدردير ج3ص 330 طبع مطبعة التقدم العلمية.

(3) الشرح الكبير: لأحمد الدردير ج4ص 84 مطابع شركة الإعلانات الشرقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت