83.مراعاة أحوال الناس في وقت الخطبة أمر لا بد منه, ولذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتخولهم بالموعظة, فلا يكثر عليهم ولا يثقل عليهم, وجاء في الحديث (فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان لسحرًا) , والبيان هو تمام الإيضاح مع جزالة الأسلوب وخلوه عن القدر الزائد على المطلوب بدون إطناب ولا إيجاز مخل, والتعبير عن المراد بقدر الحاجة بيان, وهو ضرب من ضروب السحر لأنه يؤثر في السامع كتأثير السحر, وهذه الجملة فيها مدح إذا استعمل هذا البيان في بيان الحق ودحض الباطل, وفيها ذم إذا تضمن هذا البيان تحريف النصوص وتأويلها والخروج من التكاليف بالتأويلات الباطلة.
84.النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بسورتي الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة, وهذا تطويل نسبي, لأن سورتي الجمعة والمنافقون أطول من سبح والغاشية اللتين كان عليه الصلاة والسلام يصلي بهما في الجمعة والعيدين, فهو طول نسبي ولا يزال في دائرة التخفيف المأمور به, لأنه في مقابل سورة البقرة التي قرأ بها معاذ.
85.حديث أم هشام بنت حارثة (ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) : المعنى ما أخذت السورة كاملة, وليس المراد بها ما ذُكِر فقط, وإنما هذا كناية عن السورة بكاملها, وجاء في أول الحديث (كان تنورنا وتنوره صلى الله عليه وسلم واحدًا سنتين أو سنة وبعض السنة وما أخذت ق والقرآن - الحديث -) .
86.الخطبة بسورة (ق) فقط ليست خطبة, لأنها إنما أخذت ق والقرآن المجيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس, يعني تكون في ضمن الخطبة ولا تكون هي الخطبة.
87.النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من قراءة هذه السورة إذا خطب الناس في الجمعة لما اشتملت عليه من المعاني العظيمة التي لو تأملها المسلم لأفاد منها, ولذا جاء في آخرها (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) , فالتذكير ينبغي أن يكون بالقرآن, وكفى بالقرآن واعظًا.
88.على الخطباء أن يعنوا بهذه السورة, وأن يكثروا قراءتها على الناس.
89.حديث ابن عباس (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا, والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) وحديث أبي هريرة (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) : يقول الحافظ عن حديث ابن عباس (بإسناد لا بأس به) , لكن الإسناد ضعيف, لأن فيه مجالد بن سعيد, وقد ضعفه الأئمة, فالخبر ضعيف, لكن له شاهد مرسل, فقد ورد من مرسل حماد, وقد رواه جمع, فهل يعتضد الضعيف بالمرسل؟ أو بعبارة أخرى هل يعتضد المرسل بالضعيف؟ مجالد وإن ضعفه الجمهور فقد قواه بعضهم, فيكون ضعفه قابل للانجبار, فهل ينجبر بمرسل؟ نص الحافظ ابن حجر وغيره على أن المرسل ينجبر ويُجبَر به, والشافعي رحمه الله تعالى فيما يتقوى به المرسل يقول: يتقوى بالمرفوع, يتقوى بمرسل آخر رجاله غير من أرسل الخبر الأول. فلعل الحافظ لحظ هذا وقال (بإسناد لا بأس به) , ولو أسقط قوله (بإسناد) لكان أولى لأن الإسناد ضعيف, فلو قال (رواه أحمد, وهو حديث لا بأس به) باعتبار المجموع لا باعتبار المفرد لكانت العبارة أدق, وأما ما رواه أحمد عن ابن عباس من طريق مجالد فهو ضعيف, فإن كان الحافظ لحظ ما يتقوى به من المرسل فحكمه صحيح لكنه ليس بدقيق, وأما إسناده بمفرده ففيه بأس لأن فيه مجالد وهو ضعيف. وعلى كل حال الحديث يشهد له حديث أبي هريرة الذي يليه وهو في الصحيحين.
90.قوله (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا) : وجه الشبه بينهما هو عدم الانتفاع, فهذا لا ينتفع بحضور الجمعة وذاك لا ينتفع بما على ظهره من الأسفار, كقول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.
91.قوله تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا) معنى لم يحملوها لم يعملوا بها, وإلا فهم حملوها بالنظر فيها لكن لم يعملوا بما فيها, بدليل أن الحمار يحمل, ولا يتم التشبيه إلا إذا كانوا حملوها ثم لم يعملوا بها, لأن الحمل المراد منه العمل.
92.كل من لم يعمل بعلمه فهو جاهل لأنه عاص بدليل قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) فكل من عصى الله فهو جاهل.