وُضِعَ للأعَمّ ... فتأمّل هذا المكان، فكثيرٌ من النّحاة اغْتَرَّ به، ويقول: (ما) تكون بمعنى (الذي) ، و (الذي) موضوع للعقلاء، وَ (ما) موضوع للعقلاء.» [1] .
وقال القرافيّ في موضعٍ آخر مبيّنًا الفرق بين (ما) و (مَنْ) : «لَمّا نَزَلَ قولُهُ تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (الأنبياء: 98) ، قال ابنُ الزِّبَعْرى: «لأخْصِمَنَّ محمّدًا» ثُمَّ أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: «أليسَ عُبِدَت الملائكةُ، أليسَ قد عُبِدَ المسيحُ؟» ؛ تَمَسَّكَ بعموم (ما) ، وهو عَرَبيّ، وفَهْمُهُ وقَوْلُهُ حُجَّةٌ في اللُّغة، ولم يُنكِرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، حتّى نَزَلَ قولُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (الأنبياء: 101) [2] ... فإن قلتَ: الصّحيح عند النّحاة أنَّ (ما) لِمَا لا يَعْقِلُ، فيكون سؤال ابن الزّبعرى باطلًا، لأنَّ مَن ذَكَرَهُ من العقلاء. قلتُ: الخطاب كان مع العرب، وكان منهم نصارى عَبَدة المسيح، ومنهم عَبَدة الملائكة ... ولمّا قَصَدَ خطابَهم على العموم، فلابُدّ أن يقصد لمعبوداتهم على العموم، و ... العربُ إذا قَصَدَت التّعبير عن الأمور العامّة والأجناس العالية ... إنّما تأتي بـ (ما) دون (مَنْ) ؛ قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} (النّحل: 48) ، ولم يقل: (مَنْ خَلَقَ اللهُ) ، وتقول: ... كلّ ما في العالَم مفتقر لقدرة الله تعالى؛ مريدًا للعموم، ولو قلتَ: (مَنْ) لم يحصل العموم. والسّر في ذلك أنَّ المفهوم العامّ لا يتناول الخاصّ ولا يستلزمه؛ فمفهوم الجنس لا يستلزم الحيوان، ومفهوم الحيوان لا يستلزم الإنسان، وكذلك كلّ معنًى أعمّ لا يستلزم ما تحته. فإذا أُشيرَ إلى المخلوق من حيث هو مخلوق لم يكن هذا المفهوم مستلزمًا لمن يعقل، وكذلك إذا أُشيرَ إلى المعبود من حيث هو معبود، لأنّه أعمّ من المعبود العاقل فلم يستلزمه، وإذا لم يستلزمه لم يدخل مفهوم العاقل في العموم المراد من حيث هو هو، وإذا لم يدخل العاقل تَعَيَّنَ التّعبير عنه بـ (ما) لا بـ (مَنْ) ويندرج في ذلك العموم كلّ عاقل من
(1) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في وقت البيان) : 5/ 2370 - 2371. وينظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 394 - 396.
(2) روى هذا الحديثَ الطّحاويُّ (321هـ) في (شرح مُشْكِل الآثار) . (ينظر: تحفة الأخيار بترتيب شرح مُشكِل الآثار - الأحاديث رقم: 6112، و: 6113، و: 6114، و: 6115) ، والواحديّ (468هـ) في (أسباب نزول القرآن) (الحديث رقم 306) .