والموضع الثاني الذي ذكر فيه الحوار في سورة المجادلة // قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها // ...
والجدل كما يرى بعض الباحثين يحتوي على معاني الصراع والإغراق في الكلام في معظم أحواله ولذلك اتجه الفكر المعاصر إلى استبداله بالحوار واهم ذلك دعوة الفاتيكان في الوثيقة التي صدرت عام 1965 م (1) .
والحقيقة أنه لا فرق بين مصطلحي الحوار والجدل فكلاهما يمكن استخدامه بشكل سلبي أو إيجابي وإذا كان الجدل يوحي بمعنى الصراع فإن الأصل فيه هو الدعوة إلى الجدل بالحسنى // وجادلهم بالتي هي أحسن // والاتجاه إلى الصراع واللدد والخصومة جاءت بسبب تمسك كل إنسان بهواه وإعجاب كل ذي رأي برأيه .
وهذا يمكن أن يكون في الحوار أيضًا بل إن الحوار اليوم يتخذ أشكالًا مراوغة ويسعى إلى إقناع الآخرين بأن يستسلموا أو يتخاذلوا تحت مسميات مختلفة ودعوات متسترة . فالمشكلة الحقيقية هي في الإنسان نفسه وليس في الوسائل .
ثانيًا: أنواع الحوار الجدلي في القرآن الكريم:
لقد كان الجدل في القرآن الكريم نوعان: محمود ، ومذموم ، وأن المذموم ما كان بقصد الغلبة والرياء والجدل للباطل ، أو بغير علم ، أو في مكان غير مناسب ، أو لقصد الجدل فقط ، كما قال عز وجل:
{ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } (2) . فالقصد هنا الجدل للجدل .
وقال: { مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ } (3) . الجدل هنا مكابرة لأنها مجادلة في أمور بديهية .
وقال: { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } (4) الجدل هنا غايته نصرة الباطل ، ومدافعة الحق عن علم وقصد .
(1) السابق نفسه ص: 15 .
(2) سورة الزخرف آية 58 .
(3) سورة غافر آية 4 .
(4) سورة غافر آية 5 .