وانطلاقًا من هذا المبدأ الذي حث القرآن الكريم عليه نهض المسلمون بواجبهم في الدعوة والدفاع ، ولما كان الداعي والمدافع لابد وأن يلتقي بكل أصناف الناس ويصطدم بمختلف التيارات والثقافات والاتجاهات ، فلا بد له من إتقان أساليب الدعوة والدفاع المتمثلة في الحوار ، والجدل بالحسنى ، وأصول الدعوة والمناظرة ، ونجد أمثلة كثيرة من القرآن الكريم في مجادلة اليهود والنصارى والمشركين والثنوية ، ومنكري النبوات وغيرهم .
المبحث الأول
تعريفات ونماذج في الحوار الجدلي
أولًا: تعريف الحوار والجدل والعلاقة بينهما:
الحوار في اللغة من الحوَر: وهو الرجوع والتردد بين شيئين ، والتحاور من التجاوب والمحاورة ، وحاورته: راجعته في الكلام ، وكلمته فما رد علي محورة ، وما أحار جوابًا: أي ما رجع . والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة .
وأما الجدل فله معاني لغوية كثيرة منها: اللدد في الخصومة والقدرة عليها ، وهذا المعنى مشتق من معاني أخرى منها: الفتل أو شدة الفتل ، ومنه زمام مجدول أي مفتول .
ومنها: القوة والاشتداد ولذلك قيل للصقر الأجدل لقوته .
ومنها: الصرع ، ولذا قيل جدله فانجدل وتجدل: أي صرعه على الجدالة وهي الأرض ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم"أنا خاتم النبيين في أم الكتاب ، وإن آدم لمنجدل في طينته" (1) ومن معاني الجدل الإحكام والانتظام ، ولذا قيل للقصر المشرف"المجدل"وجدلاء ومجدولة: محكمة النسج ودرع جدلاء قال الحطيئة:
فيه الجياد وفيه كل سابغةٍ جدلاء محكمة من نسج سلام
(1) الحديث رواه أحمد في مسنده برقم 16700 ، 16712 .