وهذا كثير عند الزجاج في كتابه ، ومن ذلك ما ذكره في تفسير الفرش عند قوله تعالى { وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } [1] ، حيث ذكر إجماع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل ، ثم ذكر قول المفسرين: أن الفرش البقر والغنم وصغار الإبل [2] ، ثم اختار رأي المفسرين ، واستدل له حيث قال:"والذي جاء في التفسير يدل عليه قوله: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } [3] ، وقوله { وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } [4] ، فلما جاء هذا بدلًا من قوله { حمولة وفرشًا } جعله للبقر والغنم والإبل" [5] .
ومن ذلك أيضًا ما ذكره عند قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } [6] ، حيث ذكر وجهين في معنى الآية ، ثم قال:"قال أبو إسحاق: والوجه الثاني -وهو المختار- أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم [7] ، كما قال عز وجل { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [8] ، ومعنى:"تؤزهم أزًا"تزعجهم حتى يرتكبوا المعاصي إزعاجًا [9] ، فهو يدل على صحة الإرسال والتقييض" [10] ، فالملاحظ هنا أن الزجاج اقتصر على التدليل دون التعليل .
(1) ... الأنعام: 142 .
(2) ... انظر: ص216، من هذه الرسالة .
(3) ... الأنعام: 143 .
(4) ... الأنعام: 144 .
(5) ... معاني القرآن وإعرابه 2/298 .
(6) ... مريم: 83 .
(7) ... تناقلت المصادر قول الزجاج من غير نسبة ، وقد نسبه للزجاج القرطبي وابن الجوزي ، انظر: معاني النحاس 4/360 ، الكشاف 3/43 ، زاد المسير 5/262 ، تفسير القرطبي 13/150 ، البحر المحيط 6/203 .
(8) ... الزخرف: 36 .
(9) ... قاله قتادة ، انظر: تفسير الطبري 16/125 ، المحرر الوجيز 4/32 .
(10) ... معاني القرآن وإعرابه 3/345 .