كما أن التفضيل المطلق في كل الأمور يصعب الحكم به في كثير منها ، وذلك لاشتمال كل واحد منهما على فضيلة لا توجد في الآخر فيلجأ حينئذ إلى التفضيل ، لأن التفضيل بدون التفصيل لا يستقيم.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: (الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة، أو فاطمة أفضل، إذا حرر محل التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم ، فإن أُريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح ، كم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم ، فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة ، وأدت للأمة من العلم ما لم يؤد غيرها ، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها ، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل ، فإنها بضعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير إخوتها ، وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة ، وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل ، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل ، ولم يوازن بينها ، فيبخس الحق ، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم ، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل فأجاب فيها بالتفصيل الشافي ؛ فمنها أنه سئل عن تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر أو العكس ، فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلهما أتقاهما لله ، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة ..