تعذيب المشركين لأصحابه وصبرهم على الأذى
فصل
قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء ( مكة ) إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم .
فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم .
وقد تقدم حديث ابن مسعود:
أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد .
فأما رسول الله فمنعه الله بعمه وأبو بكر منعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب ( مكة ) وهو يقول: أحد أحد .
وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال:
( أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة ) . رواه البيهقي عن الحاكم .
قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم [ النحل: 106 ] .
فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته .