» ولم أستمع من أحد منهم، ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره وعدم ترتيبه، حتى اعتقد بعضهم أنه لا يمكن ترتيبه، بل يشق ويتعذر، ولا تنحصر مسائله تحت ضوابط، بل تتباين وتتبتر ... فكانوا كالمعرض عن المعاني النفيسة لمشقة فهمها، والمضرب عن الجواهر الثمينة لتكلّف نظمها « [1] .
فحصر الدواعي في كثرة التكرار في الكتب السابقة على كتابه، وعدم الترتيب في تلك المؤلفات، وعدم انحصار المسائل بل تبعثرها وتشتتها.
وهذا ما دفعه إلى تأليف اختصاره البديع؛ الفريد من نوعه من حيث محاكاته لأبرز كتب المذهب الشافعي تنظيما، وهو كتاب [الوجيز] للإمام أبي حامد الغزالي (ت505هـ) . وقال عنه:» وقد استخرت الله تعالى، وشرعت في نظم المذهب بأسلوب يوافق مقاصدهم ورغباتهم، ويخالف ظنونهم فيه ومعتقداتهم، فحذفت التكرار الذي عيبوا أئمة المذهب إذ لم يحذفوه، وحللت النظام الذي كرهوه، ثم نظمته على ما جنحوا إليه وألفوه « [2] .
وهذا هو نفس الداعي الذي جعل الإمام سحنون -قبل هذا- يهتم اهتماما خاصا [بالمدونة] بعد أن كانت [مختلطة] :» فهذبها، وبوّبها، ودوّنها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيّل أبوابها بالحديث والآثار، إلا كتبا منها مفرقة، بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدونة والمختلطة « [3] .
ولقد بدأت عملية الاختصار هذه مبكّرة جدا، [فالمدونة] تعرضت لاختصارات عديدة منها الاختصار الذي وضعه فضل بن سلمة الجهني الأندلسي (ت319هـ) واختصار محمد بن عبد الله بن عيشون الطليطيلي (ت341هـ) واختصار محمد بن عبد الملك الخولاني (ت364هـ) واختصر ابن أبي زمنين (ت399هـ) [المدونة] في كتابه [المغرب] . غير أن اختصار ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) نسخ الاختصارات السابقة واللاحقة، وحلّ محل [المدونة] ذاتها في الدراسة والتدريس، ثم جاء تلميذه خلف بن أبي القاسم البراذعي (ت393هـ) فألّف مختصرا على اختصار شيخه على [المدونة] سمّاه [تهذيب مسائل المدونة] ، فأصبح من اصطلاحهم إطلاق لفظ [المدونة] عليه؛ وأبرز من جاء بعده -في سياق مختصرات [المدونة] - أبو عمرو بن الحاجب الصنهاجي فقد اختصر [التهذيب] في كتاب أسماه: [جامع الأمهات] لما جمع فيه
(1) نفس المصدر: 1/ 3 - 4.
(2) نفسه: 1/ 4.
(3) ترتيب المدارك: 1/ 472.