فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 40

لقد ظل هذا الاتجاه المتثبت وفق منهج المحدثين في تلقي السيرة والشمائل النبوية دعواتٍ وأمنيات يُفصِحُ عنها المخلِصون طوال هذا التاريخ ما بين فترةٍ وأُخرى ، والمحاولاتُ تَتْرَى ما بين مصيبٍ ومخطئ في الاتجاه ، ولم يتحقق الأمل المرجوّ بَعْدُ .

ومما يَلْفت النظر أنه على الرغم من وضوح الواجب ومُضِيّ هذا الزمن الطويل ، لا يزال بعض الناس - بل بعض المتخصصين في السيرة النبوية والتاريخ اليوم - يمترون في وجوب هذا الواجب ، بل في صحته وسلامة الاتجاه إليه !!

إن أُولئك المعارضين لتطبيق منهج المحدثين يُعارِضون ، غالبًا ، في شيءٍ لم يَعْرفوه! .

ووافق أولئك أو لم يوفِقوا ، فإننا والمسلمون بعامة في ارتقاب ظهور أعمالٍ علميةٍ تجمَعُ السيرة والشمائل النبوية ، بقدر الإمكان . أمّا أن يكون ذلك بصورةٍ كاملة وافيةٍ فليس في الإمكان ، وذلك نظرًا لطبيعة هذا الموضوع ، ولخضوعه لجانب الفقه لدى مَن يكتب السيرة ومَن يتلقّاها ، ولكن الأساس العامّ الذي يفي بأغلب الموضوع هو المطلوب . والله حافظٌ دينه ، والحمد لله رب العالمين [1] .

(1) عَلّق أحد الإخوة الفضلاء على النتيجة التي خلصتُ إليها بأنها غير صحيحة ، ففيها تعميم لا أساس له ، أليس من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عاداته التي لم نُتعبد بها كالنوم والأكل والشرب وقضاء الحاجة وكونه ركب حمارًا أو لبس عمامة أو شرب اللبن وأكل اللحم ، هل جميع هذه الأمور محفوظة بحفظ الله!!؟ ألم ينكر الصحابة على عبد الله بن عمر تتبعه مواضع نزول وارتحال ومكان النوم والبول للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، إن أخرجت هذه من سيرته فبأي دليل؟ أفدنا ، وإن أبقيتها فما الدليل على أننا متعبدون بها ؟"."

والجواب هو: إن هذه الأمور هي مِن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، سواء لَزِم الاقتداء به فيها ، أو لم يَلزم شرعًا؛ ولاشك في أنها مِن السيرة؛ وذلك للتلازم بين الرسالة والرسول ، ولهذا كان وضوح سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهمًّا للرسالة ووضوحِها ، وكان حفْظ سيرته جزءًا مِن حِفْظ الرسالة-بغضّ النظر عن كون ذلك الأمر مِن الأمور الجِبِلِّيّة ، أو مِن الأمور الشرعية؛ لأن القاعدة هي: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - موضِع القدوة والأُسوة ، ويُستثنَى مِن ذلك ما دلّ الدليل على إخراجه مِن هذه القاعدة ، كبعض الأمور الجِبِلِّيّة ، والأمور الخاصة التي هي مِن الخصائص النبوية . وأمّا إنكار مَن أنكر على عبد الله بن عمر فهو في قضية الفهم: هل هذا من مَواَطِن الأسوة في الرسول ، أو هو مِن الأمور الجِبِلِّية العاديّة ، لا الشرعية؛ فهو ، إِذَنْ ، خلافٌ في مدى إدراج ذلك في السيرة ، لا خِلافًا في مبدأ التثبت ، كما ترى؛ ولهذا فليس كلُّ أمْرٍ مِن السيرة يُسْتنبَط منه سُنّةٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت