وسكنتْ نفسي إلى السياق الذي رواه ابن جرير . . .فهو - على ضعفه الذي كشفه الأستاذ الشيخ ناصر - يتفق مع قواعد الإسلام المتيقنة ، أنه لا عدوان إلا على الظالمين .
أما الغارّون الوادعون فإن اجتياحهم لا مساغ له .
وحديث الصحيحين في هذا لا موضع له إلا أن يكون وصفًا لمرحلة ثانية من القتال ، بأن يكون أخْذ القوم عن غرة جاء بعد ما وقعت الخصومة بينهم وبين المسلمين ، وأمسى كلا الفريقين يبيّت للآخر ، ويستعدّ للنيل منه .
فانتهز المسلمون فرصة من عدوهم -والحرب خدعة- وأمكنهم الغلب عليهم وهم غارّون .
وفي هذه الحالة لابد من التمهيد لرواية البخاري ومسلم ، بكلام يشبه ما نقله ابن جرير ووهنه فيه الشيخ ناصر .
ولست بدعًا في تلك الخطة التي اخترتها فإنّ أغلب العلماء جرى على مثلها في مواجهة الروايات الضعيفة والصحيحة على سواء .
وقرروا أن الحديث الضعيف يعمل به مادام ملتئمًا مع الأصول العامة ، والقواعد الجامعة .
وهذه الأصول والقواعد مستفادة - بداهة - من الكتاب والسنة .
وعلى ضوء هذا النظر المنصف حكيتُ استشارة رسول الله عليه الصلاة والسلام للحباب في موقعة بدر - وإن وهّن المحدّثون سندها - لأنها تدور في نطاق الفضائل التي أمر بها الله ورسوله ، وليس في سَوْقها ما يُحذَرُ قط .
ذلك بالنسبة إلى الأحاديث الضعاف .
أما الصحاح فإنّ في تفاوت دلالتها مجالًا رحبًا للترجيح والرد . كما يعلم أُستاذ الحديث .
وما من إمام فقيه إلا رد بعض ما صح ، إيثارًا لما ظهر أنه أصح .
ومعاذ الله أن نَشْغب على السنة ، فهي الأصل الثانى للإسلام يقينًا .
بَيدَ أني إذا اتبعت السنن فعرفتها أنها - في جملتها - تتفق مع القرآن الكريم في أنه لا حرب إلا بعد دعوة وَإعذار وتعريف مُشْرق لا تبقى معه شائبةُ غموضٍ ، فكيف أقبل ما يوهم غير هذا ؟