وفيما يلي نقْدٌ للمنتَقَدِ -في نظري- من هذه الآراء والاتجاهات في ضوء منهج تلقّي السيرة والشمائل النبوية المتعيّن الأخذ به ، ونُقولٌ كذلك لبيان هذه الآراء عن أصحابها القائلين بها ، والله هو الموفق .
جَمْعُ كل ما يُرْوى في السيرة والشمائل دون تمييزٍ بين الثابت وغير الثابت ، وسأتحدث عن هذا الاتجاه في فرعين:
الفرع الأول: عَرْض هذا الاتجاه:
بدأ العلم في الإسلام معتمِدًا على الرواية ، فجاء نقْلُ هذا الدين معتمِدًا على الرواية بالسند ، ونشأتْ علوم الإسلام في ظل هذا المنهج ، سواءٌ في ذلك نقْل القرآن الكريم ، أو حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أو سيرته وشمائله ، أو التاريخ بعامّة ، أو علوم الإسلام الأخرى ، كالعقيدة والفقه والتفسير إلى آخر ما هنالك من هذه العلوم .
وأساس علوم الإسلام كلها الذي عليه بُنيتْ ومنه استُمدّتْ هو الكتاب والسنّة ، ومعلوم مدى تدقيق الأمّة في نقلهما واشتراط السند المقبول وفق الأُصول المتّبعة في ذلك .
ولكن التأليف المستقل عنهما ، من حيث التصنيف الموضوعيّ فحسب ؛ كالتأليف في السيرة والشمائل ، والعقيدة والتفسير ، والفقه ، والحوادث التاريخيّة ، التُزِمَ فيه بالسند أيضًا في أول الأمر ، لكن لم يكن على مستوى منهج المحدِّثين -في تقويم السند ونقده - فلم يُعْنَ المؤلفون في السيرة - غالبًا - بتمحيص السند ونقْده وفق منهج المحدِّثين ، على الرغم من أن عددًا منهم كانوا محدّثين .
والتزام المؤلفين الأوائل بالسند مهم في باب التوثيق لأسباب ، منها ما يأتي:
1-إمكانية دراسة هذه الأسانيد التي هي وثائق لا تفقد قيمتها بمرور الزمن ، وتقويمها متى شاء المتخصص ذلك .
2-قرب المَصْدر المنقول عنه ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقِصَرِ السند ، الأمر الذي يقلّل من احتمالات ضعف الرواية أو أسباب ردها .
3-غلبة حال الثقة على أهل تلك الفترة ، وقلة الضعف فيهم أو نُدْرته .