الثانية: قوله: (( هو فيما لا يتعلق بالعقيدة والأحكام ) )؛ غير مقبول ؛ لأن الحقيقة أن هذا لا يُمْكِنُ تطبيقه في أغلب الأحوال ، وإنما هو مجرد كلامٍ نظريّ مخالف للواقع - أعني واقع السيرة والشمائل النبوية - ذلك أن روايات السيرة بالذات متعلقة أصلًا بالتشريع ، وقد قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [1] ؛ فكل شيء يَثْبت لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو مجال للبحث فيه عن موطن الأُسوة والقدوة ، سواء كان في العقيدة أو في التشريع ، ولا نستطيع أن نَفْصل شيئًا من الروايات الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيدة والأحكام؛ لأن التلازم قائم بين الرسالة والرسول [2] .
(1) الأحزاب: 21 .
(2) عَلَّق أحد الإخوة الفضلاء على هذا بقوله: (( اعتقادك بأن العمل بالحديث الضعيف فيما لا يتعلق بالعقيدة والأحكام مجرد كلام نظري ومخالف للواقع ، أيّ واقع تريد؟ وهل هو متفق عليه عند علماء السلف؟ إذا كان رأيك في هذا أنه كلام نظري أرى الواقع الذي تنشده واقعًا خياليًا حيث الواقع العلمي عند السلف والخلف يخالفه ، أليست الأحكام تتفاوت درجتها من حيث العمل والأجر والزمان والمكان ، فالكذب حرام مطلقًا فهل الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل الكذب على غيره؟ والنطق بالشهادة أليس أفضل الأعمال والصلاة المفروضة أوجب من غيرها؟ والسنن الرواتب أفضل من غيرها من السنن وهكذا". وأنا أقول في هذا-مع دعائي له بالتوفيق والسداد -: مبدأ التثبت ثابتٌ في الدِّين ، وثابتٌ تأكيده عليه ، وليس في الإسلام أيّ دليل - فيما أعلم - يَدلُّ على أنّ الأحكام يُتَطَلّب فيها ثبوت الأدلة بحسب درجات الطلب الشرعي فيها؛ فالسنّة ثبت بأقل مما يَثْبت به الفرض! ..كلاّ ، بل الواجب التثبت مطلقًا؛ لأن الكلّ دِينٌ؛ ولا يَصِح أن يُنْسب إليه ما لم يَثبت بدليلٍ تقوم به الحجة الشرعية؛ ومعلوم أن السنّة لم يَثْبت أنها سنّة إلا بدليل يُخوِّل لنا نسبتها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ فالأصول والفروع مِن الأحكام الشرعية كلها في هذا الأمر على حدٍّ سواءٍ ."
وإذا تَبَيَّن أن هذا التثبت في هذا المجال ، وفي سِواه ، مِن الدِّين فقد تَبَيَّن أن تَطَلُّبَه ، والدعوة إليه ، ليس أمرًا خياليًّا .