وأملي كبير في نقد هذه التجربة وتقويمها من قبل العلماء المدققين والباحثين المعنيين بدراسات السيرة والتاريخ الإسلامي ، للإفادة من آرائهم في هذا الشأن ؛ إذ مازلنا في أول الطريق نحو تطبيق منهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية في القرون الأولى ، وهو أمر عسير يحتاج إلى استيعاب دقيق لمصطلح الحديث ، ومرونة في التعامل وفقه مع الرواية التاريخية )) [1] .
بعد هذا النقل عن د. العُمري ، الموضِّح لفكرته ، وهدفها ، وجهوده المشكورة في هذا المجال ، أُشيرُ إلى أنّ ما اتّبَعَهُ العُمري من منهجٍ في كتابة السيرة النبوية الصحيحة ، ودعا إليه طلاّبه ؛ منهجٌ مقدَّرٌ ، ولكن لي عليه بعض الملاحظات المنهجيّة ، أرى بموجبها أنه قد أخطأ منهج المحدّثين مِن حيث أراد الدعوة إليه - جزاه الله خيرًا - .
يقول د .أكرم - بعد أن عقد عنوانًا نصُّه: (( ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدّثين في نطاق التاريخ الإسلاميّ العامّ ) )-:
(( لا شك أن اشتراط الصحة الحديثية في كل رواية تاريخية نريد قبولها فيه تعسف ؛ لأن ما تنطبق عليه هذه الشروط لا يكفي لتغطية العصور المختلفة للتاريخ الإسلامي ، مما يولد فجوات في تاريخنا ، وإذا قارنّا ذلك بتواريخ العالم فإنها كثيرًا ما تعتمد على روايات مفردة أو مؤرخين مجهولين ، بالإضافة إلى ذلك فهي مليئة بالفجوات . لذلك يكفي في الفترات اللاحقة التوثق من عدالة المؤرخ وضبطه لقبول ما يسجله مع استخدام قواعد النقد الحديثي في الترجيح عند التعارض بين المؤرخين .
إن اشتراط الأمانة والثقة والدين في المؤرخ ضروري لقبول شهادته على الرجال والأمم ، وتقويم دورهم التاريخي .
(1) السيرة النبوية الصحيحة: 1/23-25 .