أما بالنسبة للمقطوع وهو ما جاء عن التابعي فمن بعده ، فهو قليل جدًا في صحيح مسلم ، ومع هذا إنما يورده مسلم استرواحًا في بعض المواضع ، ويمثلون لذلك بمثل روايته لمقولة يحيي بن أبي كثيرـ رحمه الله تعالى ـ حينما قال:"لايستطاع العلم براحة الجسم"، أو"براحة الجسد"ـ على إختلاف الروايات في ذلك ـ ، فمسلم رحمه الله في كتاب المساجد في باب الصلوات الخمس أورد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي قال:"إذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن تطلع قرن الشمس الأول ، ثم صليتم الظهر فإنه وقت الى أن يحضر العصر …"الحديث ، لما أورد مسلم هذا الحديث أورد بعد ذلك عن يحيي بن أبى بكير عن يحيي بن أبي كثير أنه قال:"لا يستطاع العلم براحة الجسم". ثم أورد بعد ذلك عدة أحاديث كالعادة ، فلماذا ياترى أورد مسلم هذا الكلام عن يحيي بن أبي كثير ؟
السبب بعد التأمل نجد أن هذا الحديث مداره على قتادة بن دعامة السدوسي يرويه عن أبي أيوب ـ يحيي بن مالك ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، ثم نجد أن مسلمًا أخرج هذا الحديث عن قتادة من أربع طرق ، من جملتها:
طريق هشام الدستوائي وطريق شعبة ، كلاهما يرويانه عن قتادة ، وأبخرجه من طريقين عن معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه قتادة ، وأخرجه من ثلاث طرق عن شعبة .
فصار الحديث بمجموع هذه الطرق له سبعة طرق ، يعني بدلا من أن يكون حديثًا واحدًا صار سبعة أحاديث بالمكرر ، فهذا التعب في إخراج هذه الطرق جعل مسلمًا رحمه الله يتذكر مقولة يحيي بن أبي كثير هذه ، وأن العلم يحتاج الى نشاط نفسي وعلو همة ، ولا يليق بطالب العلم أن يكسل عن تخريج مثل هذه الطرق ، فأورد هذه المقولة شحذا لهمم طلبة العلم وحثا لهم على عدم السآمة والملل . فهذا هو السبب الذي جعل مسلمًا رحمه الله يورد مثل هذه المقولة عن يحيي بن أبي كثير .