الصفحة 47 من 55

إن ما أراد أن يرمي إليه جولدزيهر وغيره من المستشرقين هو الزعم بأن اختلاف القراءات إنما كان عن هوى ورأي واختيار من القراء لا عن توقيف وسند ورواية. ولا شك أن تنازع الصحابة في القراءة ورجوعهم إليه صلى الله عليه وسلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة [1] لأوضح برهان على أن القراءة ليست موكولة إلى أهوائهم، كما أن عثمان (رضي الله عنه) عندما نسخ المصاحف وبعث بها إلى الأمصار، أرسل مع كل مصحف عالمًا من علماء القراءة حتى يتم أخذ القراءة من أفواه الأئمة، وهو أكبر دليل على أن القراءة إنما تعتمد على التلقي والنقل والرواية، لا على الخط والرسم والكتابة.

وهكذا يمكن القول بأن منهج النفي الاعتباطي الذي مارسه المستشرقون على علم القراءات القرآنية دفعهم إلى إلغاء وإقصاء كل الروايات والأسانيد الصحيحة التي تكتنِزها كتب القراءات، والتي تفصل بين ما هو متواتر يجب على كل مسلم قبوله ويكفر من أنكر ذلك، وبين ما هو غير صحيح. ولا شك أن عدم استيعاب جولدزيهر لهذا الأمر هو الذي دفعه إلى أن يقول: (( وتجاه هذه القراءات الموثوق بها يسود الميل إلى التسامح في اختلافها ) ) [2] . ومن غريب صنيع الرجل وهو يستعرض اختلاف القراءات نفيه لقراءة متواترة هي قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] ، فقد ذكر أنه نقل عن بعض العلماء (بهذا التمويه البالغ دون تحديد من يقصد ببعض العلماء) أنه استبعد قراءة (ننسها) مع أنها قراءة متواترة، ثم ذكر

(1) من ذلك واقعة عمر (رضي الله عنه) مع هشام بن حكيم (رضي الله عنه) في قراءة سورة الفرقان، انظر صحيح البخاري. كتاب فضائل القرآن باب، أنزل القرآن على سبعة أحرف.

(2) مذاهب التفسير الإسلامي ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت