الصفحة 40 من 55

عليه وسلم لم يجمع القرآن في مصحف؛ لأنه لم يكن يفكر إلا في الحاضر، ولأنه أيضًا كان يتوقع قرب قيام الساعة فلا داعي إذًا لجمعه [1] ، وزيد بن ثابت (رضي الله عنه) لم يكن ذلكم الرجل المؤهل والموثوق بأمانته في مهمة جمع القرآن في عهد أبي بكر (رضي الله عنه) ، ومصاحف الصحابة الخاصة التي انفردوا فيها بقراءات شاذة كانت أكبر دليل على عدم تواتر القرآن وموثوقيته إلى غير ذلك من الشبهات [2] .

أما ما وُجِّه إلى زيد بن ثابت من اتهام فلا أساس له من الصحة، إذ لا يخفى مدى ما بلغه من الثقة والضبط منذ أن كان كاتبًا للوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي رضي الله عنه عام (45 هـ) ، وقد شهد كثير من الصحابة بفضله وجلالة قدره.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين الجمع الثاني، يجزم بالثقة العالية التي يضعها فيه الصحابة قائلًا: (( إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [3] . وعلاوة على ذلك فإن زيدًا رضي الله عنه قد شهد العرضة الأخيرة للقرآن في حياته صلى الله عليه وسلم، كما أنه كان من أشهر الصحابة إتقانًا لحفظ القرآن ووعيًا لحروفه وأداءً لقراءاته. أما مصاحف الصحابة الخاصة فقد كانت مخالفة لسواد المصاحف التي أجمعت عليها الأمة خلال الجمع العثماني، وكان أصحابها واعين لتلك القراءات الشاذة والتفسيرات المدرجة؛ لأن تلك المصاحف كانت بمنْزلة تقييدات خاصة تتضمن

(1) سبق أن رددنا على هذه الشبهة.

(2) يمكن الاطلاع على مثل هذه الشبهات في كتاب نولدكه وكتاب بلاشير ومادة (( قرآن ) ). في دائرة المعارف الإسلامية، وهي كلها مراجع سبق ذكرها.

(3) صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، حديث رقم 4986.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت